“حينما عاد يطلب الدخول ” .. قصة قصيرة للإعلامي محمود عبد السلام 

( محاكاه لأغنية "عصفور " للشاعر ابرهيم عبد الفتاح وغناء على الحجار )

الإعلامي محمود عبد السلام
أصبحت العلاقة بينى وبين عصفور الصباح وطيدة ، بعد زمن طال من محاولة التودد اليه ، تارة بتقديم حبات القمح وأخرى بتقطيع الخبز الى قطع صغيرة ونثرها فى أرض الشرفة ، ومراقبته من خلف الزجاج ، إلى أن سمح لى فى مرة من المرات من فتح الزجاج الحائل بينى وبينه ، وكم كانت سعادتى عندما نظر الى طويلاً ولم يرفرف طائراً
ظل يتقافز بين الكراسى البامبو المتهالكة وسور الشرفة وحبل الغسيل ، كانت هذه أول مرة ، وفى المرة الثانية  سمح لى بالدخول إلى الشرفة والجلوس على الكرسى المواجه للشجرة التى يسكنها ، فرغ سريعاً من الطعام الذى وضعته له ، وقفز طائراً مستقراً على فرع ممتد من الشجرة ملامس حائط الشرفة
كان سعيداً وهو يصعد ويهبط مع فرع الشجرة الذى يتمايل مع تيار الهواء ، صدح صوت العصفور بالزقزقة والغناء ، بدت علامات السعادة عليه حين كان ينفش ريشه منتفخاً كطاووس يملك غابة بأشجارها كاملةً ، بادلته الغناء بصوتى الأجش
فزع فى البداية من صوتى لكنه بعد قليل ارتاح الى الذبذبات الخشنة واقترب منى أكثر ، وضعت بكفى حبات القمح الصفراء اليانعة ، وقربت كفى منه ، فى البداية جفل ، لكن مع الإصرار و الغناء شعر بالأمان ،
اقترب التقط من كفى الممدود له حبة قمح ، وطار سريعاً نحو عش من قش وريش وبعض أوراق شجر جافة ، وضع الحبة فى فم عصفور ازغب الريش أحمر الجلد ، ثم التفت ونظر لى نظرة امتنان ،
فى اليوم التالى عدت من الخارج مسرعاً نحو الشرفة ، لم أجد العصفور على الغصن ولا فى العش ، نظرت فوق
ونظرت تحت ونظرت حول ولكنى لم اجده ،
رحت أغنى له أغنيتي لكن غيابه طال ، وحرت فى أمر عصفوري الذى أحببت ، طالت وقفتي فى الشرفة يلفحني
هجير الصيف ويرعش بدنى زمهرير الشتاء ،
توالت الفصول تتعاقب بعضها خلف بعض وأنا فى الانتظار حتى أصابني السأم والأعياء ، ارتفعت درجة حرارتي
واستسلم جسدى للرقاد ، وتداخل فى نفسي الليل بالنهار والصباح بالمساء ووهن العظم واشتعل الشيب ومرت
الاعوام ، وانا لم اعد اتقن الانتظار ،
وفى ليلة شتوية باردة وانا تحت الأغطية الثقيلة ، سمعت نقرات خفيفة على زجاج النافذة ، كان عصفوري خلف زجاج
النافذة تعصف به الرياح وريشه مبتل بماء المطر ، تبادلنا النظرات وغرقنا فى صمتٍ طويل حكت فيه العيون عن الرحلة
والسفر والطريق ، ثم طلب منى الدخول ، كان زجاج النافذة يعكس صورتى الشائهة بفعل الزمن وارهاق السفر وألم
الغربة وطول الطريق وهو أيضاً كان كذلك
أيقنت أن رغم عودته أنه ولا أنا اصبحنا كما كنا زمان ، أغلقت الستائر السوداء فوق النافذة وعدت الى سريرى
والاغطية الثقيلة .
ياهل ترى .. بعد السفر هتغني فوق سطح البيوت
تسكن عيون الليل القمر.. وألقاك على الشباك تفوت
ولا هيندهلك رحيل.. يفصل ما بينا ألف ميل
وأقضي عمري فى الندا ..!
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.