” لا تضيّقها وهي واسعة ” ..لاشك أن الجريمة التي حدثت في (كرموز )، من قتل سيدة لأولادها الخمسة ثم قتلت نفسها ، بعد أن أمرت الابن الأكبر (ريان) بالإجهاز عليها ليتأكد أنها فارقت الحياة ، ثم يقوم الطفل الأكبر هو الآخر ليلقى نفسه من الدور الثالث عشر لولا تداركته عناية الله بمن رآه ليمنعه من ذلك ..
والذي يلاحظ كما قرأت أن المرأة طلقها زوجها (أردني ) ومقيم بالسعودية وفور علمه بمرضها أرسلها إلى مصر لتعالج من مرض الكنسر على نفقة الدولة ، ومنع عنها النفقة ..
كل ذلك أوقع المرأة وسط وساوس وضلالات ، أوقعتها في جريمة بقتل فلذات أكبادها واحداً تلو الآخر وأمام ابنها الأكبر الذي ظل تحت تأثير وصايا تلك الأم
ونلاحظ :
من تلك الجريمة أننا نعاني كمجتمع من الإنعزالية وعدم الاهتمام بمن حولك من بشر ، وما حولك من مشكلات..
فالأم ارتكبت الجريمة بعد معاناة لمدة ثلاث سنوات داخل حجرة ، لا يسأل عنها سائل ، ولا يطرق بابها طارق ، وإن حدث فلم يقدم أحد منهم حلا جذريا لها ، فأين أثرياء المسلمين ؟وأين نواب الدائرة ، أكان ينبغي عليها أن تسعى إليهم ، وتقف ببابهم ، وتتسول رغيف خبز من القناطير المقنطرة التي استلبوها من قوت الشعب ، أين الإيمان لدى أولئك الأثرياء ، هل لازلنا نبحث عن اللقطة ؟!
انظر إلى تلك اللقطة الإيمانية ( وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ..) (١٧٧ البقرة) وهذا المال ليس داخلاً في الزكاة ..
بدليل أن الآية ذكرت بعد ذلك (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ.. ) (١٧٧ البقرة )إنما هو أوجب من الزكاة ..لوجود الحاجة الملحة التي يمكن للإنسان أن يفقد حياته بسببها
لأن الحب هو الذي يحل المشكلات المتجذرة بين أفراد المجتمع ،وليس مجرد العطاء حلا للمشكلات..ليس أن تضع في يد الفقير أو المسكين أو ذوي القربى مالا فتحل المشكلة لأن المشكلة ليست مشكلة البطن أو مشكلة العطاء المادي ، ولكن المشكلة هي (وحدة الأمة ) وحدة المشاعر ..وحدة العواطف..وحدة القلوب..
لذلك لا يكتفى بأن تعطي المال أو تنتظر الفقير ليقف على بابك ، بل تتساقى الحب مع الفقير فتذهب بنفسك مصطحباً الحب مع المال لتقف أنت على باب الفقير..( (وَآتَى) الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّه..)
وتساقي الحب يشعر الفقير بأنه جزء من المجتمع ليس زائدة دودية ينبغي أن يتخلص منها جسم المجتمع،
وتساقي الحب عمليا هو الممارسة العملية للعلاقة بين الفقير والغني بدون تنظير في كلمة أو خطبة ، فالمجتمع الذي ينشده الإسلام مجتمع لا تنفق فيه الأموال الطائلة في حفلات الإفطاروالسحور الجماعي ، من أجل أخذ اللقطة ، ويصبح عضو البرلمان أو ذلكم الثري (تريندا) تلهف إليه الكاميرات..ويتصدر الأخبار
ولذلك حذر الله ضِعاف الإيمان ( أفراداً وجماعات)
داخل المجتمع بعقيدة الرزق فقال الله (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ)(151الانعام)
وقال:(وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) (31الاسراء)
الخطاب في الآية الأولى للآباء الفقراء ، الذين يقتلون أولادهم هرباً من الفقر الذى يعيشونه، ولذلك تقول الآية الأولى (مِن إملاق) ولذلك أسرع الله تعالى وتكفل برزقهم أولاً، قبل أولادهم ، لأن فى رزقهم وإغنائهم كفيل بالقضاء على هذا الدافع لديهم ،ألا وهو قتل أولادهم بسبب الفقر المنغمسين فيه .
أما الآية الثانية، فإن الخطاب موجه إلى الآباء الأغنياء الذين يتوقعون الفقر دون أن يعيشوه(خشية إملاق) ولذلك جاء الوعد برزق الأولاد (أولاً) قبل الوعد برزق الآباء، لعل هذا يطمئنهم، ويزيل الدافع إلى القتل عندهم …لأن الذى خلق هؤلاء الأولاد هو الذى تكفل برزقهم، فلا داعى للخوف لأنكم لستم الرازقين، ولا داعى للقتل …
فإذا كان النداء موجه للأولياء في ظاهره ، فإننا نعيش في مجتمع أشد تعقيداً فالربما نوسع تلك الدائرة بأن المجتمع الذي لا يبالي بالفقراء ولا بالسؤال عنهم إنما يتركهم فريسة لإملاق ، فقد يكون الفقر سببا للكفر بالله لذلك كان النبي يستعيذ منهما ( اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ) ، فالمجتمع الجاحد لحق الفقير ، يتركه فريسة لتساؤلات شيطانية: لِم أعطى الله هذا وحرمني ؟! فيشك في عطاء الله له !
الإسلام لا يعرف التنظير بل إن الصلة العملية كانت الزكاة ، والإنفاق المتواصل (والأوجب من الزكاة) والسؤال عن أحوال الناس أولاً بأول كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع جابر بن عبدالله رضي الله عنهما ..حيث كان يعرف أن جابراً يمر بضائقة مالية..
بعني جملك يا جابر ..
قال : هو لك هبة يا رسول الله
قال : لا ..بأوقية من ذهب ..وكان الجمل لا يساوي نصف أوقية
قال : ..بل أهبه لك يا رسول الله
قال الرسول: لا..أشتريه منك بأوقية من ذهب
قال : على أن يحملني إلى أهلي بالمدينة ، قال : وعلى أن أدفع الثمن بالمدينة..
ولما رجعا إلى المدينة قال لبلال:
( أعطه أوقية وزده ، فأعطاه أوقية وقيراطاً ، فلما ربط الجمل وانصرف ، ناده: يا جابر : قال : لبيك يا رسول الله
قال : خذ جملك هبة مني ..
ولما أخبرجابر يهودياً بذلك ضرب كفا على كف وقال : اشترى منك البعير…ودفع إليك الثمن..ثم وهبه لك ؟! قلت : نعم
(رواه مسلم)
لو أن جابرا قابل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ، ما كان هناك داع للعجب لأن هذا معدن الرسول في نظريهما ، والشي من معدنه لا يستغرب.
لكن اليهودي وقد علم ذلك ..ضرب كفاً بكف..فالمفروض في منطق اليهودي أن يستغل القائد موقعه ليأخذ البعير اغتصاباً ، ويبدو أن تعجب اليهودي هو الشرارة التي تضيء البون الشاسع بين منهجين ومجتمعين
المجتمع المؤمن: والمؤمنون فيه و المؤمنات بعضهم من بعض….بكل ما تفرضه صور الولاية من نجدة وتضحية وتعاون.
والمجتمع المنافق والمنافقون فيه والمنافقات بعضهم من بعض كلهم صور للجبن والتمزق والأنانية !
فهل تغير مجتمعنا لهذا الحد ؟!
فهلا تأسينا برسولنا وأصحابه وعلى رأسهم عمر( الفاروق)رضي الله عنه :الذي كان يبحث عن الفقير ، مع شدة احتياجه..
يا من رأى عُمراً تكسوه بردتُه..والزيتُ أدْمٌ له والكوخُ مأواه ..إن التنظير لن يحل المشكلة لكن علينا أن نتساقى الحب ، ونبني النفوس المهترئة والمتصدعة من قسوة الإنسان على أخيه الإنسان ..!!
إن رحمة الله واسعة فلا تضيقوها بالجحود !
(ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ) (7 – المنافقون)