عبد الناصر البنا يكتب: بأية حال عدت .. ياعيد !!

عبد الناصر البنا

سريعا إنقضى شهر رمضان ، شهر الخير والبركات ، مر كلمح البصر ، وهكذ الأعمار ، خُسْران مَنْ أدرك رمضانَ ولمْ يُغْفَر له حديث لـ ” نبينا الكريم ” ﷺ . ندعوا الله أن نكون من المغفور لهم فى رمضان ، كل عام وأنتم بخير .. جاء العيد ، والعيد فرحة .

الأعياد فى الاسلام عيدان .. عيد الفطر ، وعيد الأضحى ، أما الأعياد فى مصر ، فلها فلسفة وإرث ثقافى وحضارى ممتد إلى أزمنة بعيدة ، وقد يعود إلى عهد الفراعنة ، عندما إحتفل المصرى القديم ب “عيد شم النسيم ــ وعيد وفاء النيل ” . وبأعياد إرتبطت بالنيل والزراعة والحياة والموت . يعنى تقدر تقول علينا شعب ” فرفوش” منذ آلاف السنين ، والسؤال : وهنحزن ليه ؟ ربنا وهب لنا كل حاجة ، وأهم حاجة نعمة الصحة والستر .

لو رجعنا بالذاكرة هنلاقى العيد يحمل لكل واحد منا ذكرى ، وبالنسبة لنا العيد فى الصعيد يرتبط بطقوس قد تكون مختلفة إلى حد كبير عنه فى شمال مصر ، فى الصعيد تفرض العادات والتقاليد نفسها على الأعياد ، فتجد هناك حالة من الحزن والشجن فى العائلة التى فقدت لها حبيب أو غالى وخاصة لو كان شابا ، حيث ينقلب العيد إلى ماتم ، ولاعجب أن تكون ” الطقوس الجنائزية ” والحزن ثمه غالية على أهل الصعيد . ولذلك لايكون العيد عيدا إلا بتذكر الموتى . وزيارتهم فى وقت مبكر جدا من بعد صلاة العيد حيث تبدأ زيارة المقابر للترحم والبكاء على الموتى ،

أما طقوس الاحتفال بالعيد أعتقد أنها متشابهة ولاتخرج عن ” فرحة اللبس الجديد ــ والعيدية ” والانطلاق إلى الشوارع للفسحة واللعب ، إضف إليها البصمة المصرية الخالصة المتمثلة فى ” نظافة البيت” وأعتقد أنه لم تخلو أسرة مصرية من القيام بهذا الإجراء الروتينى ، الذى يتم فيه رفع حالة الطوارى القصوى ، وكأن هناك مندوب من الـUN سوف يقوم بالتفتيش للوقوف على مستوى نظافة البيت ، والحقيقة أننا لانملك إلا أن نمتثل لتلك الأوامر والتعليمات الصارمة التى تحد من حركتنا فى البيت ، إن لم تكن جزءا منها على الأقل فى تحريك الأثاث من مكانه ، أو أضعف الإيمان تودى السجاد يتنظف .

يضاف إلى تلك الطوارىء طوارىء أخرى كانت تسبق العيد وهى ” الكعك والبسكويت ” لم يخلو بيت فى الصعيد من عمل الكعك والبسكويت فى العيد ، وأتذكر أمى ” رحمها الله ” كانت هى ” كومانده ” الكعك والبسكويت تقريبا كانت أمى هى متزعمه هذا الموضوع ، هى التى تضع المقادير وتعطى التعليمات ، كان سطح بيتنا ولمدة أسبوع مفتوحا لكل أهلنا وجيراننا لعمل كعك وبسكويت العيد ، ولا أنسى أخى عزالدين ” رحمه الله ” ، وكان مازال يحبو ، عندما تسلل إلى طبق البيض وقام بتكسير البيض كله ، ودعكه فى الأرض ، ولم تنجو بيضة واحدة من فعلته السوداء .

أيام العيد أيام فرحة وبهجة وأجمل مافيها الـ”تزاور” وصلة الأرحام ، وإلتقاء الأحبة قى عصر قللت فيه وسائل التواصل الحديثة من تلك التجمعات التى كانت فرصـــة كبيرة للم شمل الأسر المصرية ، بالقدر الذى جعلنا نستسهل ونرسل برقيه على الواتس تحمل ” عيد سعيد أو كل عام وأنتم بخير ” !! .

لم يكن لدينا فى الصعيد حدائق أو متنزهات نخرج إليها فى أيام العيد ، فقط هى الفرحة التى تملأنا بزياره أهلنا أو إستقبالهم فى بيوتنا ، ولمة العيلة ومايصاحبها من طقوس تقدم فيها مالذ وطاب من الأكل والشراب ، والخروج إلى الشوارع التى كانت أقرب مايكون إلى ” كرنفال شعبى ” وإلى الأسواق المكتظة بالباعة لشراء اللعب والهدايا ، وأعتقد أيضا أنه بحكم البيئة التى نشأنا فيها كانت تنتشر اللعب البلاستيكية لـ ” أسلحة ” بمختلف أشكالها وأنواعها بدءا من المسدسات والطبنجات والبنادق الآليـــة حتى الكلاشينكوف !!

كنا نتباهى بإقتناء تلك اللعب ، وندخل بها فى حروب على طريقتنا الخاصة ، حيث ينقسم أولاد الشارع إلى فريقين فريق مع وفريق ضد ، وتدور حربا ضروس تستخدم فيها مسدسات المياه ، ويبدو أننا منذ أن كنا صغارا ونحن مغرمون بالقتال ، وأعتقد أن كل قادة الجيش أجمعوا على أن المجندين من أبناء الصعيد هم الأكثر إستيعابا لـ ” فك وتركيب السلاح وتطبيق قواعد النشان وغيرها من أعمال الحرب بصورة ملفته ” !!

لما كنا أطفالا كنا ننتظر العيد بفارغ الصبر لا لشىء إلا لـ “نفرح” بثيابنا الجديدة ، وبالعيدية من الأهل والأقارب الذين يتوافدون على زيارتنا ، كنا نضعها فى “حصالة” من الفخار أو الصاج ، وكنا نتباهى بالمبالغ التى حصلنا عليها ، وبعد إنتهاء موسم العيدية نكسر الحصالة ونشترى كل إللى نفسنا فيه ، أتذكر فى فترة السبعينات كانت الـ ” تمنه ” أو القرشين عيدية معتبرة ، وكنت سعيد الحظ عندما أهدانى عمى ” رحمه الله ” قرشين عبارة عن عملة معدنية واحدة كانت صفراء اللون وكتب على أحد جوانبها قرشين والجانب الآخر يحمل رسما يشبة زهرة القطن ، وقد خيل إلىً وقتها فى تلك السن المبكرة أننى ” شهبندر التجار ” .

ولما كانت تلك الذكرى عالقة فى ذهنى حرصت فى كل عيد على تغيير عملات جديدة وإهداءها لكل أطفال العائلة فى مواسم الأعياد لـ ” تكون ذكرى ” باقية معهم كما بقيت ذكرى عيدية عمى معى إلى الآن ، وتمر الأيام وتتعاقب السنين ، ويأتى رمضان عام 1407 هجرى ليوافق لـ ” شهر مايو 1987 م ” وكنا فى إمتحانات الليسانس آخر العام أثناء إقامتنا فى المدينة الجامعية ـ جامعة المنصورة ، ومايحمله هذا الشهر من ذكريات أيضا حفرت فى الذاكرة ، ولا أنسى المسلسل الإذاعي ״البراري والحامول״ لسيدة الشاشة العربية” فاتن حمامة ” والفنان يوسف شعبان الذى كان يذاع عقب الإفطار .

ثم يأتى شهر مارس من العام 1990 م لـ “يوافق رمضان 1410 هجرى ” ، ولكن هذه المرة بطعم مختلف فى مدينة الأقصر وتحديدا فى ” المجموعــة 15 عمليات د.جو ” أثناء آداء الخدمة العسكرية فى سلاح الشرطــة العسكرية ، وبطعم وأجواء مختلفة . ومن بعدة رمضانات عديدة فى المملكة العربيــة السعودية شرفنى الله خلالها بالإعتكاف فى الحرم المكى فى العشر الأواخر لـ ” أكثر من عام ”

ملمح أخير لـ ” عادات وتقاليد ” سعودية أعتقد أنها مازالت موجودة فى الوادى الجديد وبعض القرى المصرية ؛ وهى أن الأسر إعتادت يوم عيد الفطر أن تخرج موائد عامرة بما لذ وطاب من الطعام أمام البيوت لـ ” تستقبل ” العائدين من صلاة العيد ؛ ولابد أن تجلس لـ ” تتذوق ” الطعام فى تقليد يحرص عليه الجميع .

بقى أن أشير إلى أن العيد يأتى هذا العام وأمتنا العربية وشرقنا الأوسط فى “حرب .. وكرب ” حرب تقودها أمريكا وإسرائيل تستهدف مصادر الطاقة ، أدعوا الله أن يزيل الغمة ، وأن يجنبنا الفتن ماظهر منها ومابطن ، وأن يعود حكام العرب إلى رشدهم ، وأن يكونوا قد وعيوا الدرس وعلموا مكر الـ ” أمريكان وحفدة القردة والخنازير ” وأن يعلموا أن فى الإتحاد قوة ، وأن يبقوا على قلب رجل واحد ، وأن مصر هى الباقيـــة ، وهى الحصن ، وهى صمام الأمن والأمان لهم جميعا .. حفظ الله مصر .

غفر الله لى ولكم ، ومتعكم بالصحة والعافية ، كل عام وأنتم بخير .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.