محمد نبيل محمد يكتب : الصورة الذهنية لنصر اكتوبر وهزيمة كيبور ( 21 )

جولدا :الاستقالة الثانية لموشيه دايان اعترافا بالهزيمة!

الكاتب محمد نبيل

اليوم هو الأحد، وبعد ثمان أيام من عبور المصريون، يتكرر أمرا ما بالغ الأهمية ضمن اعترافات جولدا، فكانت المرة الأولى لا تبعد أكثر من أيام معدودة، إذ تقدم موشيه دايان بالاستقالة عقب اقتحام سكرتير جولدا مائيير لإجتماعها به مع رئيس الأركان ديفيد اليعازر فى الإجتماع الثانى ليوم السادس من أكتوبر إذ كان الإجتماع الأول بناء على رغبة جولدا فى السابعة صباحا، لكن الوزير ورئيس أركانه قد حضرا الثامنة، وانصرفا كلاهما بالتـأكيدات الصارمة لجولدا بإستحالة هجوم المصريين، وقد اجتمعا ثانية فى ذات اليوم مع جولدا بمنزلها عند الساعة الثانية عشر

وعلى مدار الساعتين كانا كل من موشيه واليعازر يكرران تأكيداتهما وبالأخص موشيه الذى تباهى بأن المصريين أمامهم عشرين عاما ليفكروا بعملية هجومية محدودة، وقد صدمه خبر جاليلى سكرتير جولدا ـ العسكرى ـ عندما ضرب الباب وصرخ فى الحضور بأن المصريين قد عبروا القناة على طولها بالكامل، ورفعوا علم مصر على خط بارليف، وهنا وبعد صمت موجع ومميت، سحب موشيه ورقة صغيرة تماثل حجمه الحقيقى ـ الآن ـ وكتب عليها استقالته، كرد فعل طبيعى ومنطقى بعد تأكيداته الزائفة بأن المصريين لن يهجموا.

واليوم ـ الأحد ـ تعترف جولدا بأنها المرة الثانية التى تقدم فيها موشيه دايان باستقالته، وتقول:”وجاء دايان إلى مكتبى يوم الأحد، وأغلق الباب، ثم وقف أمامى وسألنى:هل تريدين منى أن استقيل”.

وهنا الدور فى الإعتراف على قارئنا الموقر، مابالك بسبب تكرار دايان وزير الدفاع من الاستقالة للمرة الثانية، هل يقدم وزير جيش الدفاع على الاستقالة الثانية كنتيجة لانتصاراته المتتالية، أم لهزيمة جيشه الذى روج له بأنه لا يقهر، وكذلك لهزيمته النفسية التى لن تستقيم من جديد بعد ضرب المصريون له وكسر غروره العسكرى ؟!.

ربما يفسر هذا الموقف المتخاذل من وزير جيش الدفاع ما تعترف به جولدا وتصف حالة الميدان بدقة لا تقبل التأوييل، فتعترف:”وليس واحدا من التقاليد التى تفخر بها قوات الدفاع الإسرائيلية أن قتلانا وجرحانا لا يُتركون للعدو، لكن الأيام الأولى من حرب يوم كيبور لم تسمح بأى خيار”.. جولدا تعترف بأن قواتها كانوا يتركون القتلى والجرحى خلفهم، ولا يستطيعون تنفيذ ما يتفاخرون به وبأن جيشهم لا يترك خلفه قتلى وجرحى، لكن من ضعف تلك القوات وهرولتها لتلوذ بما سُمح لها من إنقاذ أرواحهم من فتك المصريون بها، فلم تستطع القوات مجرد النظر للخلف، ولم يُمهل المصريون أعدائهم من الوقت الكافى لحمل قتلاهم وجرحاهم، أو ربما كان الجبن ما يدفع بالإختيار الأوحد من جانب جنود جيش الدفاع المنسحبين والفارين بإختيار وحيد وهو: النجاة بأرواحهم، فإنهارت عقيدتهم ـ الجوفاء ـ سريعا، وخارت قواهم ـ الواهية ـ على حمل بعضهم البعض!.

هذا الإعتراف من جولدا عن حال قواتها على الجبهة المصرية، لاشك أنه ذات الحال لدى وزير دفاعها فهو أيضا أراد الهرولة والقفز من مركب غارقة، والنجاة بما تبقى لدية من سمعته العسكرية لأن يكون قائدا منسحبا بالاستقالة خير من أن تلتصق به على الأبد وصمة الهزيمة ـ وهذا ما حدث حقاـ لذا قرر، وكرر تقديم استقالته لجولدا، لكن المرأة المحنكة سياسيا آبت إلا وأن تبقيه بجانبها يتلق عنها أسهم اللوم، والعتاب، والمحاسبة عن التقصير أمام الشعب والرأى العام، تماما كما كان يشاركها زهو الغرور الأجوف بأنه يقود جيشا لا يقهر!.

وتستطرد جولدا فى إعترافاتها:”وهكذا استبد القلق بمئات الآباء بدأوا يتساءلون عن أبنائهم، هل مات؟.. إذا كان الأمر كذلك أين جثته؟.. هل هو أسير حرب؟..وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يعرف أحد ذلك؟”.. أليس هذا الإعتراف هو حال جنود جيش الدفاع على الجبهة، وأيضا هو حال الشعب اليهودى الذى عانى من كذب حكومته عليه مرارا، حتى اختلط على الجميع أين الصدق والحق؟ وأين الكذب والباطل؟ وكان فى إعتراف جولدا واستقالة وزير دفاعها وصفا دقيقًا حول طبيعة ما آلت إليه الأكاذيب، وكان السؤال المُرّ بل شديد المرارة على جولدا، إذ تتسأل مع نفسها: هل تستمر فى الكذب على شعبها؟ أم تواجههم بحقيقة الهزيمة وقتل وجرح وأسر جنودها الذين هم أبناء شعبها أول من عانى من كذب هذا الكيان.
والكثير من مرارة الإعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.