الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب : الدواء المر .. العالم فى حالة من الغليان والتوترات والصراعات المتلاحقة

الكاتب الصحفي عبد الرازق توفيق

العالم فى حالة من الغليان والتوترات والصراعات المتلاحقة لا يكاد يخرج من أزمة حتى يدخل فى أخرى والتكلفة والفواتير باهظة تدفعها الدول والشعوب، تداعيات الحروب مؤلمة خاصة على الصعيد الاقتصادى فى احداث اضطرابات فى سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة وبالتالى ارتفاع أسعار السلع والمنتجات وتقع الحكومات بين مطرقة تداعيات الأزمات وفواتيرها ومعاناة شعوبها، فليس بالإمكان ابدع مما كان وهنا الخيارات تكون صعبة ومحدودة، فسعر برميل النفط فى الموازنة العامة للدولة برمته أقل بكثير مما تسببت فيه تداعيات الأزمات والصراعات وعلى سبيل المثال كان سعر برميل النفط قبل اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران 69 دولارا وبعد أيام من نشوب الحرب وصل إلى 111 دولارا ثم عاد إلى مستوى 93 دولارا وإذا استمرت الحرب سترتفع هذه الأرقام إلى مستويات أكثر وهو ما يؤثر على كل شيء فى حياة المواطن من ارتفاع أسعار السلع والخدمات ويحدث فجوة عميقة فى القدرة الشرائية.
بطبيعة الحال حكومة الدكتور مصطفى مدبولى لم يكن يسعدها أبدا ولم تتمن أن تضطر لرفع أسعار المحروقات خاصة ان الدكتور مدبولى خلال الفترة الماضية أو فى نهاية العام الماضى تحديدا ان أسعار المحروقات لن تشهد أى زيادة خلال عام 2026، لكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، أزمة عنيفة وصراع محتدم وحرب مشتعلة لم يتوقعها أحد لم تكن فى الحسبان حرب أمريكية- إسرائيلية على إيران بدأت فى 28 فبراير ومازالت مستمرة ألقت بطبيعة الحال بآثارها وظلالها وتداعياتها المؤلمة على الجميع خاصة مع إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، ارتفاع تكلفة التأمين بنسبة 500 ٪، اضطرابات حادة فى سلاسل الإمداد، تأثرت جميع الدول واتخذت إجراءات استثنائية على حساب شعوبها فلا مفر من ذلك لاستمرار الحياة والإنتاج وعدم الإضرار بالدولة.
الابتلاءات منذ 2021 كثيرة ومتلاحقة فمن أزمة «كورونا» إلى الحرب الروسية- الأوكرانية فى فبراير 2022 ثم العدوان الصهيونى على قطاع غزة فى 7 أكتوبر 2023 وصولاً إلى الهجوم الأمريكي- الإسرائيلى الذى فرضه رئيس الوزراء المتطرف والموهوم على الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ليدخل العالم والمنطقة فى نفق مجهول قد يعصف بأمن المنطقة وحاضرها ومستقبلها ويصدر المعاناة لشعوبها، فالتداعيات تطال الجميع ومن هنا تحركت الحكومات فى اتخاذ إجراءات تبدو قاسية لكنها لا مفر منها وبمثابة الدواء المر الذى فرضته طبيعة المرض، فلم يكن للحكومة أن تفعل أكثر من ذلك، الظروف فرضت عليها اعتبارات لم تكن متوقعة، تأثرت بها الكثير من دول العالم.
الحكومة أعلنت فى أكتوبر الماضى ان الزيادة فى أسعار المحروقات آنذاك لن يشهدها العام 2026 كما انها أعلنت عن حزمة اجتماعية غير مسبوقة حتى يحصد المواطن المصرى ثمار الإصلاح والحقيقة انه لولا ثمار الإصلاح لما نجحت مصر فى الصمود أمام تداعيات هذه الأزمات والصراعات العنيفة فرغم ارتفاع أسعار المحروقات وأسعار السلع إلا انها متوافرة لا تعانى من نقص أو عجز، كما ان أسباب توفيرها من العملات الصعبة والنقد الأجنبى تتأثر فى ظل تدفقات وإصلاحات مصرفية آتت ثمارها يمكن للبلاد لهذا السبب تأمين الإمدادات النفطية ومن الغاز وهذا يكشف أحد أسباب رفع أسعار البنزين والسولار والغاز والبوتاجاز والتى تخضع للتعاقدات بأسعار اليوم، فالحكومة على لسان رئيس الوزراء بررت بشكل منطقى تصريحاتها السابقة مع بدء الحرب الأمريكية ضد إيران بأن السلع متوافرة ولدينا مخزون يكفى لعدة أشهر وكذلك المحروقات لكن من المهم تأمين الإمدادات منها حتى لا تحدث ظروف مفاجئة فى حالة نفاد المخزون مع احتمالات موجودة باستمرار الصراع والحرب والتصعيد فى المنطقة، فمضيق هرمز العام الماضى عبرت منه 30 ٪ من إمدادات العالم النفطية بمعدل 14 مليون برميل يوميا وهو ما يعنى فى حال توقفه وجود فجوة عميقة تؤدى إلى نقص فى العرض وارتفاع فواتير التأمين وبالتالى زيادة الأسعار خلال أيام الأزمة والشيء المطمئن ان الدكتور مدبولى ورغم امتداد تداعيات الحرب الدائرة حاليا أكد أن المخزون سوف تمتد إلى فترة قادمة لكنه أكد على انه فى حال انتهاء الحرب سوف تتم مراجعة هذه الزيادات وربما إلغاء هذه القرارات حال تراجع أو انخفاض سعر برميل النفط عالميا، فالموازنة تضمنت ان سعر البرميل 61.3 دولار فى حين وصل الآن إلى 93 دولارا والفارق رقم كبير تتحمل الدولة الجزء الأكبر منه تخفيفا عن المواطن، لكن المطلوب من الحكومة مع وعى المواطن وإدراكه لمبررات رفع أسعار المحروقات أن تفرض رقابة صارمة على الأسواق وتفعيل إحالة المتلاعبين إلى القضاء العسكرى كما ان السلع والمنتجات الموجودة أو المنتجة قبل الحرب ماذا ستكون أسعارها هل ستطبق عليها الزيادات الناتجة عن رفع أسعار المحروقات وهى ثقافة غير موجودة فى الأسواق المصرية، فلا أدرى كيف يتم رفع سلع وخدمات وأدوية تم إنتاجها منذ أشهر أو قبل نشوب الحرب وتأثيراتها وتداعياتها والمفترض أن تحتفظ هذه السلع والمنتجات القديمة بنفس أسعارها وتطبيق الزيادات أو الارتفاع على ما تم انتاجه عقب نشوب الحرب.
الحقيقة المؤكدة أن هناك ظروفا استثنائية فرضتها تداعيات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية لم تكن فى الحسبان أدت إلى رفع كبير فى برميل النفط وصل إلى 118 دولارا ثم انخفض إلى 93 دولارا وهو ما لا تستطيع الدولة أن تتحمل هذا الفارق الكبير بين الرقم الموجود فى الموازنة وبين السعر الحالى لكنها تساهم أو تتحمل النصيب الأكبر، لكن فى ظنى أن الأيام القادمة ستحمل مفاجآت سارة للمصريين من خلال أمرين، الأول الحديث والتقارير التى تشير إلى الاقتراب من انتهاء الحرب فى ظل وجود وساطات خاصة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين وفشل الأمريكان والإسرائيليين فى تحقيق الأهداف وسوء الحسابات والتقديرات فى سرعة التخلص من النظام الإيرانى بالإضافة إلى الأضرار والخسائر الجسيمة والفادحة التى أصابت القوات الأمريكية والعمق الإسرائيلى بسبب صواريخ إيران رغم الاعتراف بإلحاق دمار هائل فى إيران، لكن النظام قرر الاستمرار والعمل بمبدأ على وعلى أعدائى أو أكون أو لا أكون وهو ما جعله غير متحمس للهدنة أو حتى التفاوض، لكن المؤشرات تشير إلى قرب انتهاء الحرب التى تشكل كارثة على العالم والإقليم وباتت كابوسا يقض مضاجع ترامب ونتنياهو.
الأمر الثانى ان هذا الأسبوع يشهد الاعلان عن أكبر حزمة اجتماعية لزيادة الأجور والمرتبات والمعاشات والحد الأدنى للأجور ومساندة ودعم الفئات الأولى بالرعاية والتصريحات تؤكد أنها ستحدث توازنا أو تتفوق على معدلات التضحم وهو ما يخفف من وطأة رفع أسعار المحروقات ونتائجه وانعكاساته على الأسعار وفى حال انتهاء الحرب بشكل مبكر ومراجعة الحكومة للقرارات الأخيرة فى حال هبوط سعر برميل النفط ستكون الحزمة الاجتماعية أكثر فاعلية وسعادة للمصريين رغم ان قرار رفع أسعار البنزين والسولار والغاز والبوتاجاز جاء فى توقيت صعب.. إلا انه قرار صعب واضطرارى مرهون بانتهاء الصراع فى المنطقة وبمجرد توقف الحرب ستكون هناك مراجعة للقرارات بشأن أسعار المحروقات ولكن فى ذات الوقت فإن الحكومة عليها واجب حتمى ألا تكتفى بالتهديد والوعيد للمتلاعبين وتجار الأزمات وسماسرة وأثرياء الحرب ولكن إجراءات وعقوبات رادعة تكون عبرة فقد بدأت بالفعل جرائم المتلاعبين وهناك مكاسب بعشرات الملايين تباع بأسعار ما بعد زيادة أسعار المحروقات رغم انها انتاج قديم بل وبمغالاة، لذلك لا بد من التعجيل الحكومى بإجراءات حاسمة يكون فيها المتلاعبون عبرة للجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.