الكاتب الصحفي يسري السيد يكتب: “تورتة الميلاد” المرّةً بانتظارِ يقينٍ لم يأتِ بعد (2 ) “!!

الكاتب الصحفي يسري السيد

نحتفل كقيرا بأعياد الميلاد سواء لنا كأافراد أو حتي دول بالإحتفال بأعياد الإستقلال ..

توقفت كثيرا امام هذا الإحتفال المعني والرمز والحكاية عبر “الصيرورة والزمن” …والأساس أن العمر يسلبنا حلاوة الأيام ” ويتركنا لمواجهة “سُكّر” الحنين وضغط الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد ثم يطلب منا جبرا الإحتفال بالسكين وهى تمزق رقبة عاما مضى وتهددنا بشروعها في وجوهنا إن لم نغن في ظل أحتراق الشموع ، أقصد إنقصاء الأعوام ” هابي بيرث داي ” ، يعني نشعل الشموع وهي في حقيقتها إطفاء لسنوات مضت أو سحب لا نهائي من سنوات عمر لن تعود أو تجدد مثل الحساب الجاري فى البنوك ، وحين نتذكر المأزق نطفئ الشموع فى نفس اللحظة والمكان، رغم ان الميلاد والحياه والرحيل فى اوقات واماكن مختلفة .

نغني كالبلهاء ل”قضية العمر المستمرة” حيث يكون فيها القاضي والخصم والجلاد واحد ، هو الزمن ..

يقف المحتفي به وهو الروح وحيدا امام يوم ميلاد ، وليس به من دخل أو فعل الا انه وجد نفسه هنا بلا سبب منه أو موافقة ورضي ، وعليه التشبث بملامح عمرٍ غابر، والإستعداد لزمنٍ لا يعرفه ويقتحم الوجود غصبا عنه .

• هل سألنا أنفسنا كيف بدأت هذه الفكرة التي تضع الانسان امام نفسه ومصيره من خلال ضوء شموع وتورته تحتوي المجهول بسياج من السكر المر .. يعني بمثابة “رسائل السماء” إلى “رماد العمر”…

استدعيت من كتب العادات والتقاليد والأساطير حكايات منها : مشهد اقامة اليونانيين صلواتهم عبر رفع دخان الشموع إلى الآلهة، وتحول الدخان إلى “ضبابٍ وجودي”. ما زال يأتينا من هناك حتي الآن !

• يعني فكرة الاحتفال بذكرى يوم الميلاد بدأت كمزيج معقد بين الطقوس الوثنية القديمة، والمعتقدات السحرية، والتطورات الاجتماعية عبر العصور… في البداية لم تكن مجرد “حفلة” كما نعرفها اليوم، بل كانت إجراءً دفاعياً لحماية الشخص من الأرواح الشريرة…

في العصور القديمة (خاصة عند الإغريق والرومان)، كان يُعتقد أن يوم ميلاد الإنسان يمثل لحظة انتقال خطيرة، حيث تنفتح البوابة بين عالم الأحياء وعالم الأرواح… ولكن فجأة تتربص الأرواح بصاحب الميلاد لتؤذيه في يومه الخاص… وهنا يتجلي الطقس الدفاعي بتجمع الأصدقاء والأقارب حول الشخص “لحمايته” بوجودهم وبإطلاق التمنيات الطيبة والمرح لطرد الأرواح الشريرة… ومن هنا جاءت فكرة التجمعات والهدايا.

ولأن المصريين القدماء هم الأول دائما فقد كانوا أول من احتفل بالميلاد

ورغم أن الفكرة ارتبطت بالحماية، إلا أن أول توثيق تاريخي لاحتفال بـ “يوم ميلاد” يعود للمصريين القدماء، ولكن ليس لعامة الشعب… فقد كان الاحتفال مقتصرًا على الفراعنة.. اي علي الحكام …وكان يُعتقد أنه عندما يُتوج الفرعون، فإنه “يولد كإله”، لذا كان يوم تتويجه هو يوم ميلاده الإلهي الذي يجب الاحتفال به سنويًا.

وأضاف اليونانيون لمسة فنية وروحية استمرت حتى اليوم ب “الشمع والتورتة” أي كعكة القمر، فكانوا يقدمون كعكات دائرية الشكل لإلهة القمر”أرتيميس”… ولكي تبدو الكعكة مضيئة مثل القمر، وضعوا عليها الشموع… لإعتقادهم أن دخان الشموع يحمل صلوات وأمنيات البشر إلى الآلهة في السماء، ومن هنا ولدت فكرة “تمني أمنية قبل إطفاء الشموع”.

وكان الرومان هم أول من نقل الاحتفال من الملوك والآلهة إلى الرجل العادي.. حيث بدأوا يحتفلون بأعياد ميلاد المواطنين العاديين (الذكور فقط في البداية) بإقامة مآدب وتجمعات… وللتفرقه بين الحكام والعامة كانت الحكومة الرومانية تعلن عطلاً رسمية في أعياد ميلاد الشخصيات العامة الهامة.

وفي القرون الأولى للمسيحية، كان الاحتفال بأعياد الميلاد يُعتبر “طقساً وثنياً” مرفوضاً..و كان التركيز ينصب على “يوم الوفاة” (الميلاد في السماء) وليس الميلاد الأرضي.. ولم يبدأ الاحتفال بميلاد المسيح (الكريسماس) إلا في القرن الرابع الميلادي، مما أعطى شرعية لاحقاً لاحتفالات الأفراد بأعياد ميلادهم.

وفي الاسلام كان سيدنا رسول الله عليه الصلاه واللسلام يحتفل بيوم ميلاده اسبوعيا بالصوم كل يوم اثنين مع الخميس، وحين سأله الصحابه عن سر اليومين ، قال الإثنين يوم ولدت فيه ، والخميس يوم ترفع فيه الأعمال ، وأحب ان يرفع عملي وأنا صائم .

وصدق أمير الشعراء احمد شوقي حين أنشد علي حنجرة ام كلثوم وأوتار عود رياض السنباطي :

وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ

وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ

الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ

لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَراءُ

وَالعَرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي

وَالمُنتَهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ

وَحَديقَةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا

بِالتُرجُمانِ شَذِيَّةٌ غَنّاءُ

وَالوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلًا مِن سَلسَلٍ

وَاللَوحُ وَالقَلَمُ البَديعُ رُواءُ

نُظِمَت أَسامي الرُسلِ فَهيَ صَحيفَةٌ

في اللَوحِ وَاسمُ مُحَمَّدٍ طُغَراءُ

اسمُ الجَلالَةِ في بَديعِ حُروفِهِ

أَلِفٌ هُنالِكَ وَاسمُ طَهَ الباءُ

يا خَيرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً

مِن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا

++++

يا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهوى العُلا

مِنها وَما يَتَعَشَّقُ الكُبَراءُ

لَو لَم تُقِم دينًا لَقامَت وَحدَها

دينًا تُضيءُ بِنورِهِ الآناءُ

زانَتكَ في الخُلُقِ العَظيمِ شَمائِلٌ

يُغرى بِهِنَّ وَيولَعُ الكُرَماءُ

أَمّا الجَمالُ فَأَنتَ شَمسُ سَمائِهِ

وفي القرن الثامن عشر، ابتكر الألمان احتفال “Kinderfeste” وهو النسخة الحديثة لأعياد ميلاد الأطفال…حين وضعوا شمعة لكل عام من عمر الطفل، بالإضافة إلى شمعة إضافية ترمز لـ “نور الحياة” أو الأمل في المستقبل.

يعني الفكرة بدأت كنوع من “المقاومة” للموت والأرواح، واليوم نراها كنوع من “الاستسلام” لمرور الزمن…. الشموع التي كانت تُوقد قديماً لجلب النور، أصبحت اليوم تُطفأ لترمز لعامٍ قد انقضى واحترق من عمرنا.

أحيرا هل مازلنا نصر علي علي الاحتفال بعيد الميلاد كـ ‘ناجٍ’ من معركة الزمان، أم ‘محتفلٍ’ بمرور الأعوام.”

يَا حَاكِمَ الـدَّهْرِ هَـذَا العُمْـرُ مَـظْلَمَةٌ

تَـقَـاضَتِ الـرُّوحُ فِـيـهِ مَـرَّ مَـا اقْتَرَفَا

أَتـيـتُ لِـلمِـيـلادِ مَـكـسُـوراً بِـلا رَفَـقٍ

كَـمَـنْ يـذُوقُ الـرَّدَى.. مِـنْ بَـعْدِ مَا عَرَفَا

مَـرِضْتُ بِالسُّكَّـرِ الوُجـدَانِ.. لَا طَمَـعاً

لَـكِـنْ لأنَّ الـهَـوَى فِـي أَضْلُـعِي جَـفَّـا

YOUSRIELSAID@YAHOO.OM

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.