تناولنا فى المقال السابق التأكيد على أن الإقتصاد العالمي يمر حالياً بحالة غير مسبوقة من عدم اليقين، بعد استمرار تداعيات العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران والتي تلتها هجمات على إيرانية على القواعد الأمريكية بعدد من الدول الخليجية والعربية، وأن الخطأ الاستراتيجي الأكبر فى تاريخ الدولتين الحديثتين الولايات المتحدة وإسرائيل هو اغتيال مرشد إيران على خامئنى الذى كان يميل للسلام وهو المظلة التى كانت ترتع إسرائيل والولايات المتحدة على أثرها فى المنطقة العربية خاصة الخليجية ،
والدليل أن المرشد الجديد مجتبى خامئنى يتصف بالشراسة والقوة بصورة هددت الكيان وراعى الكيان وهى الولايات المتحدة الأمريكية.استمرار تلك الأزمة ساهم في تكبيد الاقتصاد العالمى لخسائر لا يفيق منها حتى وإن تخطت عشرات السنوات من التعافي. كما أن الرد الإيرانى أظهر بوضوح هشاشة الأمن الإقليمي بشكل صارخ، وضعف القدرة العسكرية لدول الخليج مجتمعة رغم الانفاق العسكرى،والخزعبلى على شراء السلاح المدعوم بالقميص الأمريكى المشئوم.كما أن مصر تعد من بين الدول الأكثر تضررا من هذه الحرب. فهي، بوصفها دولة صناعية وتجارية وسياحية،
ومن منظور مصرى يتمثل أكبر مصدر للقلق في احتمال اتساع نطاق الحرب وتحولها من مواجهة محدودة إلى فوضى
إقليمية شاملة تتسع معها الأزمات الاقتصادية. بل أن المرحلة القادمة لن تحدد فقط مآلات الصراع الإيراني –
الصهيوني، بل قد ترسم أيضاً ملامح النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط. وقد تنبأنا أنه بهذه الحرب
ستضطرب أسواق الطاقة، والذهب الأصفر ،وان دفع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل ،وتأثر أسواق الغاز
الطبيعي، سيولد ضغوطاً تضخمية إضافية،
كما أن الحرب على إيران قد تشير إلى مخاطر مرتفعة لصراع قد يبدو معقد وارتفاع أسعار النفط، وهو ما يدعم الدولار
تاريخياً.وبين ضغوط الجغرافيا السياسية وتقلبات الأسواق، يبقى رهان مصر الأساسي في مواجهة هذا التحدى هو
تعزيز مرونتها الاقتصادية وتحويل التحديات الإقليمية إلى فرص ، بعد أن وجدت مصر نفسها أمام موجة ارتدادية
اقتصادية مباشرة، رغم عدم انخراطها عسكرياً في الصراع. وخلال عشرة أيام فقط، برزت مؤشرات ضغط حادة تمس
ركيزتين أساسيتين في الاقتصاد المصري: إيرادات قناة السويس وأمن إمدادات الغاز. ولكن تبقى قدرة مصر على
امتصاص الصدمات والتى ترتبط يقيناً بمدى التزامها بنموذج “الدولة الوطنية التنموية”، القائم على تنويع مصادر الدخل،
وتعزيز الاحتياطيات النقدية، ودعم الإنتاج المحلي،
وتحسين إدارة الدين العام. ولكن هذا الالتزام يصطدم بتوسع التوترات، وتراجع الجنية.ولعل تداعيات إطالة أمد الحرب
هى التى دفعت الرئيس السيسى لتوجيه الحكومة بدراسة كل الإحتمالات والسيناريوهات المختلفة، لاسيما بعد
محاولات إغلاق مضيق هرمز وتجنب شركات الملاحة الدولية السير فى إتجاه مضيق باب المندب وقناة السويس
لتأثرها بالتوترات الإقليمية، مع دراسة إمكان إحالة مافيا المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، لعدم استغلال
هذه الظروف التى تمر بها المنطقة، والدعوة لوجود خطة طوارئ بالتنسيق والتعاون بين الحكومة والبنك المركزي،
تتضمن توفير النقد الأجنبى اللازم لتأمين الاحتياجات الأساسية ومستلزمات الإنتاج فى ظل زيادة حالة عدم اليقين
العالمى، ويبقى أن الأخذ فى الاعتبار أن موقع مصر الجغرافى وإرتباطها بشرايين التجارة العالمية يجعلها فى قلب
التداعيات. لذلك نرى أنه إذا استمر هذا التصعيد العسكري في المنطقة فإن الاقتصاد المصري سيجد نفسه أمام ثلاثة
تحديات رئيسية: نقص الطاقة، وتراجع مصادر النقد الأجنبي، واضطراب بيئة الاستثمار. والتعامل مع هذه التحديات
يتطلب استجابة سريعة وذكية من صناع القرار، ترتكز على تنويع مصادر الدخل القومي، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق
العام، وتسريع الجهود لجذب استثمارات مباشرة وهو ما سنتناوله فى المقال القادم إن شاء الله