كان الاعتراف الأهم لجولدا مائيير بعد تنفيذ الثغرة “التمثيلية” بتكلفة كثيفة فى أرواح جنودها، وتقول:”عدت إلى مكتبى لكى أوجه واحدا من أقصى واجباتى:وهو مقابلة الآباء الذين فقدوا أبنائهم فى القتال”.. لكن الأمر هنا ليس مرا كفاية على لسان جولدا بل كانت المرارة الحقيقية هى أنها لم تكن تدرى ماذا ستقول للآباء والـأمهات عن أبنائهم: هل ماتوا؟ أم هل أسرهم المصريون؟ هل هم جرحى لا تستطيع “جولدا” الوصول اليهم وستتركهم ينزفون من دمائهم بغزارة تكافىء دموع أمهاتهم الذين لا يدرون عنهم شيئا؟
تساؤلات شديدة المرارة فى حلق جولدا تعترف بها:”ولعل واحد من أفظع الجوانب فى حرب كيبور أننا بقينا لعدة أيام غير قادرين على تحديد مصير الجنود الذين فشلوا فى الاتصال بعائلاتهم منذ بدء القتال”.. تقر وتعترف جولدا بفظاعة الهجوم المصرى الذى مزق أوصال جيش الدفاع والذى أفقدهم القدرة على الاتصال بجنودهم فلا يعرف القادة مصير ضباطهم وجنودهم، وبالتالى لم يتمكن هؤلاء المعذبون تحت وطأة نيران المصريين من التواصل مع أسرهم وعائلاتهم فهم بالأحرى لم يتواصلوا من الأساس مع قادتهم!.
تعترف جولدا بعدم قدرة جيش الدفاع على مواجهة المصريين، خاصة وهى تفند أمور ثلاثة، تلك الأمور هى: ان جيش الدفاع تركيبة مدنية مجيشة، فهم من مدنيون فى الأساس، وثانيا: انه تم استدعائهم على حين غرة فقد فاجأ المصريون الصهاينة بهذه الحرب، وثالثا: كانت قدرة المصريين على المواجهة الشجاعة بصواريه محمولة على الكتف فى مواجهة الدبابات الامريكية العتيدة القوية والتى تحولت الى مدافن محترقة لجنود جولدا، فتعترف:”اسرائيل دولة صغيرة وجيشها ـ كما يعلم الجميع ـ جيش مواطنين، يتكون من قوة دائمة محدودة ثم من الاحتياطيين” وتستطرد” لم يكن ثد سبق ان حاربنابعيدا عن حدودنا”.. وهنا اعتراف صريح وجهورى من رئيسة وزراء الكيان أن سيناء ليست ضمن أراضيهم وليست داخل حدودهم، كما يدعى نت ياهو بمزاعمه الباطلة، الكاذبة بأرض اسرائيل الكبرى، ونعود لاعترافات جولدا:”لكن الحرب كانت قد استمرت فترة أطول من أى حرب أخرى”.. وهى هنا توضح احدى المبادىء الاساسيى للعقيدة القتالية لجيش الدفاع، وهى الاعتماد على الحرب الخاطفة ذات المدى الزمنى القصير، فطول أمد الحرب ليس فى صالح جيش الدفاع، وتعترف جولدا بأمر آخر شديد الأهمية:”كان استدعاء الاحتياط قد تم وهم فى المعابد، بعيدا عن منازلهم، فلم يستطعبعضهم من فرط العجلة أن يعثر على وحدته، والتحق الاحتياطيون بالمدرعات دون تدريب كاف”.. وهنا تكمن عبقرية الهجوم المصرى الذى خدع مؤسساتهم الاستخباراتية المتعدةة مثل الموساد وآمان والشباك، وأيضا خدع اجهزة الاستخبارات المتعاونة معهم من الخارج مثل الـ”كى جية بى” والـ “سى أى آيه” فكلاهما ومعهم الـ “إم أى سكس” البريطانية فلم يكن لديهم ثمة علم بنوايا هجومية من جانب المصريين، وهذا للتاريخ حتى لا يتباهى فى غرور أجوف الاجهزة الاستخباراتية الصهيونية أنهم يعلمون عنا كل شىء، والحق أنهم يعلمون فقط ما نريدهم أن يعلموه(!).
كما نتعرض فى اعتراف جولدا لأمر بالغ الأهمية، وهو:أن الضربات الجوية المصرية فى العمق قد قطعت طرق ومحاور تدخل واقتراب العدو الصهيونى، وكذلك دمرت مراكزالقيادة والسيطرة، ووحدات الاشارة والحرب الاليكرونية، فلم يستطع العدو توجيه قواته الاحتياط إلى مواقعهم، فضلا عن احداث الجلبة والاضطراب بين قوات الاحتياط نتيجة التدخل المبكر لعناصر قوات الصاعقة والمظلات المصرية خلف الخطوط مما عطل تقدم الاحتياط الاستراتيجى والقريب من الوصول لوحداتهم ونجدتها أو دعمها، وتلك قدرة فائقة للقوات المصرية فى ممارسة أهم صور المعركة الحديثة وهى معركة الأسلحة المشتركة، وما عكس من تنسيق عال الكفاءة والاتقان.
أما أبدع وصف تضمنته اعترافات جولدا والذى يرسم صورة ستبفى عالقة بوجدان وذاكرة المقاتلين من الجانبين وشعبيهما معهما وستستمر مع نعاقب الأجيال بحيث ستظل تروى وترسم هذه الصورة بالتفاصيل التى قدمتها جولدا فى اعترافها للتاريخ، فتصف معترفة:”وقد شنت علينا هذه الحرب بأسلحة مفزعة مثل الصواريخ المضادة للدبابات” وتستطرد ـ أظنها باكية بدموع مريرة ـ وتقول عن هؤلاء المصريون من قناصى الدبابات:”التى كانت تحيل الدبابات الى لهيب مشتعل، وتعجن أطقمها بداخلها لدرجة يستحيل معها التعرف على هويتهم”.. ما أجمل هذا الوصف لجنود الجيش الذى لا يقهر داخا أحدث الدبابات فخر الصناعة العسكرية الامريكية وهى الدبابات “ام ون” التى كانت تتباهى بها جولدا وبقدرتها على تحطيم اعدائها، فكانت تعدو بسرعة 60 كيلومتر فى الساعة وتستطيع الضرب من الحركة والاستهداف والضرب حتى مسافة الخمسة كيلومترات وكل تلك المزايا كانت متفوقة على دباباتنا بالضعف تقريبا وهو ما جعل موشيه دايان يكتفى بفرقة مدرعة فى الجنوب لصد المكصريين حال تقدمهم “المستحيل” على قدر معلوماته التى فرضها عليه المصريون(!).
لكن جولدا وموشيه فقدا 260 دبابة يوم الثامن من اكتوبر فى ما أطلقوا هم عليه”مذبحة الدبابات” بل وأُسر عساف ياجورى أحد أهم قادة ألويتهم المدرعة على يد البطل ـ الفلاح العظيم ـ محمد المصرى والذى قنص من دبابات جولدا وموشيه 27 دبابة ومدرعة ناقلة جند وقتل من فيهم ـ جميعا ـ مهرًا لخطيبته التى طلبته منها نظير ثأرها لاستشهاد والدها ـ خاله ـ فى حرب الأيام الست، التى لم يحارب فيها المصريون(!) والكثير من مرارة الاعتراف سيأتى ذكره تاليا إن شاء الله.