الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب : صبر مصر الجميل وعبقرية التقديرات الإستراتيجية

مازال البعض يعيش أجواء عنتريات العقود الماضية والاندفاع والتهور والاستدراج، ولم يكلف نفسه بطرح سؤال مباشر وماذا جنت مصر من العنتريات والحسابات والتقديرات الخاطئة وكانت الكلفة باهظة على كافة المستويات، ولعل ما عشناه خلال العقدين الأخيرين جاء نتاج تداعيات هذه العنتريات التى أصابتنا بصدمات قاسية عسكريا واقتصاديا وأمنيا حتى وصلت ذروتها فى ضياع سيناء واحتلالها فى لحظات الغفلة والسبات الإستراتيجى والمواقف غير المحسوبة والغريب ان الاستعداد واليقظة والجاهزية لم يكن على مستوى الصوت العالى وطوفان العنتريات والشعارات والتهديد والوعيد والتدخلات غير المحسوبة والمغامرات التى كلفت البلاد والعباد ثمنا باهظا على مدار عقود طويلة استنزفت قدرات وموارد الدولة وأحدثت فجوة عميقة بين الإمكانيات والاحتياجات، بين الموارد والأهداف وأدت إلى تأخر مصر عن ركب التقدم لا داعى اجترار الماضى فجميعنا يعرف ويعلم تاريخ مصر خلال عقود ماضية حالة التهور والاندفاع وعدم وجود تقديرات وحسابات دقيقة وخضوع القرارات إلى العواطف والنعرات والزعامات والتى أثرت على مصر على صعيد الأمن القومى والاقتصاد حتى اجتماعيا لذلك سأركز على أكثر من 12 عاما مرت على مصر.
فى الفترة الأخيرة واجهت خلالها ما هو غير مسبوق فى تاريخ مصر من تحديات وتهديدات ومخاطر بل مخططات ومؤامرات وإساءات ومحاولات شرسة لتقويض وإسقاط الدولة وكذلك محاولات لاستدراج وجر واستنزاف البلاد تمثلت فى إشعال المحيط الجغرافى والجوار من جميع الاتجاهات الإستراتيجية التى تحيط بمصر وكأنها تعيش فى جزيرة من نار وتهديدات فى البر والبحر ومحاولات للعبث والابتزاز والإضرار بالمقدرات المصرية وكذلك حروب اقتصادية وأمنية ودفع ودعم وتمويل أكبر وأشرس هجمة إرهابية على مصر خاصة فى سيناء بحشد جماعات وميليشيات الإرهاب من خلال جماعة الإخوان الإرهابية وأذنابها وأذرعها وحلفائها من قوى الشر والهدف خدمة أهداف الكيان الصهيونى الذى يأتمرون بأوامره وينفذون مخططاته من أجل إفقاد الدولة المصرية السيطرة على سيناء وفصلها عن الجسد المصرى وهو الأمر الذى يسهل على الكيان الصهيونى، تحقيق مخططاته وأهدافه فى تنفيذ مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء وهو ما أفشلته مصر مرتين بالقضاء على الإرهاب وإحباط مخطط أدوات إسرائيل من الجماعات الإرهابية والمرة الثانية خلال العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة الذى استمر لمدة عامين وتصدت مصر لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين وأيضاً المساس بالأمن القومى المصرى وهو ما أجبر الكيان الصهيونى على الرضوخ والدخول فى خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لإنهاء الحرب وإحلال السلام فى غزة.
الرئيس عبدالفتاح السيسى تحدث فى الفترة الأخيرة عن أن التقديرات والحسابات الخاطئة هى بسبب الحرب والتصعيد والذى يجر المنطقة إلى مصير مجهول ويحدث تداعيات كارثية على الجميع عالميا وإقليميا أو على مستوى الدولة والشعوب وربما تسأل لماذا تبقى مصر هى واحة الأمن والأمان والاستقرار وقبلة السلام رغم أن المنطقة تعيش فى أتون حرائق وصراعات وتصعيد وربما تنزلق إلى حرب شاملة تتدخل فيها أطراف دولية وإقليمية وتأثيرات اقتصادية كارثية السبب فى أن مصر هى صمام أمان الشرق الأوسط هو الفكر والرؤية والسياسات والثوابت والمبادئ والحقيقة أن فلسفة بناء الدولة المصرية التى أطلقها الرئيس السيسى فى 2014 ارتكزت على مبدأ مهم للغاية ان ما حدث من ضعف وفوضى وضياع وسقوط يحدث لن يتكرر مرة أخرى وغير مسموح أن يتكرر، لذلك انطلق الرئيس السيسى فى سباق مع الزمن فى إعادة ترتيب وصياغة إستراتيجية بناء تبدأ باستعادة هيبة الدولة والقضاء على الفوضى والإرهاب وبناء دولة المؤسسات ثم إطلاق رؤية البناء والتنمية وهى رؤية شاملة تتضمن كافة القطاعات والمجالات وفى القلب منها تطوير وتحديث الجيش المصرى العظيم وتزويده بأحدث منظومات التسليح بحيث يكون القوة الأعظم فى الشرق الأوسط ويعالج الخلل فى موازين القوى فى المنطقة وهو ما يعكس فلسفة الرئيس ومقولته من يمتلك جيشا وطنيا قويا يمتلك أمنا واستقرارا، فالجيش المصرى العظيم يحمى الأمن القومى وحدود الدولة ويفرض السيادة ويصون مقدرات البلاد، رسمت «مصر – السيسى» ملامح ومبادئ وثوابت مصرية تتعلق بالعلاقات الدولية والإقليمية ومواقفها تجاه الصراعات والأزمات والمواجهات المسلحة، فالقاهرة ترفض لغة السلاح والتصعيد وتتبنى الحوار والتفاوض والحلول السياسية والسلمية لأنها ترى أن تداعيات الحروب تحمل تكلفة عالية ولا تؤدى إلى حلول بل تزيد وتتفاقم قوى الظلام والإرهاب، فرغم ما استهدف مصر من تحديات وتهديدات ومخططات ومؤامرات وإساءات إلا انها التزمت بمبادئ الاتزان الإستراتيجى أو ما وصفه الرئيس السيسى فى إفطار الأكاديمية العسكرية المصرية بالصبر الجميل وهو لا يعنى الضعف والاستكانة بل قوة وقدرة وأرض صلبة لكنه يراهن على الوقت والمصالح ولا يؤدى إلى حدوث خسائر فادحة مثل إغلاق أبواب العودة وتجنب التصعيد والدمار والخراب وفى ذات الوقت ومع هذا الصبر الجميل الواثق لم تستطع أى قوة من المساس أو التجرؤ على مصر، فكما اتفقنا ان القوة الخشنة المرتكزة على الحكمة هى أساس الثقل والمكانة والردع فلا مكان للضعفاء فى العالم لكن الفيصل متى تستخدم هذه القوة وبأى شكل وحجم وما هى الحسابات والتقديرات فمن يتأمل فى المشهد الاقليمى يجد ان مصر تقع فى جزيرة لا تحيطها المياه ولكن نيران مشتعلة وربما البعيد والذى لا يعرف مصر يتوقع أن مصر أجبرت على الدخول فى هذه النيران وانزلقت إلى المستنقع، لكن العبقرية ان مصر تواجه هذه التهديدات بنجاح دون أن تتورط بل ستكون الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران مهما كانت نتائجها نقطة تحول شاملة فى المنطقة بل ميلاد جديد تتغير فيه الثوابت وتتحول الدفة إلى دول أخرى فى المنطقة الأكثر أمنا واستقرارا وحكمة وقوة وتحصد مكاسب كثيرة وستكون قبلة للاطمئنان والاستثمارات فإذا كان للحرب الدائرة فى المنطقة تداعيات مؤلمة إلا أن لها نتائج فارقة على مختلف الأصعدة وعلى رأسها الاقتصادية وهناك لابد أن يدور نقاش وبحث ودراسات عن أوجه الاستفادة والدروس والنتائج التى ستفرزها هذه الحرب.
الصبر المصرى الجميل لم ولن يكون أبداً ضعيفاً بل ثقة وقوة وأرض شديدة الصلابة خاصة انه يرتكز على القدرة والحكمة والتقديرات الإستراتيجية الصائبة وهى معادلة عبقرية تحسب لقائد عظيم هو الرئيس السيسى.