محمد نبيل محمد يكتب : الصورة الذهنية لنصر اكتوبر وهزيمة كيبور 18
جولدا تسير على خطى قدوتها "بن جوريون" تجاه أمريكا

“الحق فى الوجود” عنوان الفصل العاشر من كتاب اعترافات جولدا مائير، فى هذا الفصل تحديدا فى الصفحة (228) تتحدث جولدا عن عدوان 1956 ومشاركة الكيان لكل من انجلتر وفرنسا القوتين العظمتين ـ آنذاك ـ وتعترف:”وبينما كنت فى صيف 1956 ارتب أوضاعى فى وزارة الخارجية، بما فى ذلك التعود على مناداتى:مسز مائير، وهو أقرب الاسماء العبرية الى اسم “مايرسون” وحملت هذا الاسم بناء على نصيحة بن جوريون بأن أحمل اسما عبريا، ومائير بالعبرية تعنى:أضاء”وتستطرد حول قيام ناصر بتأميم قناة السويس، وتقول:”ولم يعد أمام عبد الناصر من أن يجعل مصر أعلى قوة اسلامية الا ان يقضى علينا” وهنا تضع جولدا من الكيان هدفا أمام مصر، بل وتجعل القضية تصطبغ بالصبغة الدينية من كلا الطرفين، وتذهب إلى أبعد حد من التوتر عندما تأتيها أخبار عن تنامى القوة العسكرية المصرية، فتعترف:” كنا فى اسرائيل نشعر بالقلق من تزايد القوة العسكرية لمصر” وتعترف بأن مشاركتهم لفرنسا وانجلترا رغم فشل أهداف كلا الدولتين ما بين السياسى والاقتصادى، إلا أن الكيان كان له هدف وجودى، فتقول:”رغم فشل الهجوم البريطانى الفرنسى على القناة، إلا أن ضربة اسرائيل ضد المصريين كان لها هدف واحد، هو منع تدمير الدولة اليهودية” وتستطرد فى سرد مجريات الإعداد لعدوان 56 وتقول:”وبدأنا نُعِد سرا لمعركة سيناء المعروفة فى اسرائيل بعملية قادش”الا ان سعى الكيان الحثيث لضمان استمرار دعم امريكا لهم كان هدفا استراتيجيا خاصة بعدما رأوا بجلاء انحسار الدورين الفرنسى والانجليزى بعد فشلهما فى العدوان على قناة السويس، وظهور نجمان آخران وهما الروس والامريكان، فقد سعت جولدا لتوطيد علاقاتها مع جون كنيدى حتى أنها تقول عن المقابلة السابقة مباشرة على اغتياله:”بدأت بالحديث ـ تقصد مع كنيدى ـ عن الموقف الراهن فى الشرق الأوسط، ثم قررت انتهاز الفرصة فأخذت أحدث كنيدى عن تاريخ اليهود عبر ثلاثة الاف عام إلى ان قامت اسرائيل” وتستطرد”مال نحوى ـ تقصد كنيدى ـ وامسك بيدى قائلا وهو ينظر فى عينى:لقد فهمت يا مسز مائير لن يحدث شىء لاسرائيل” لكن بعد هذا اللقاء تقابلت جولدا مع كنيدى فى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة وفقط تبادلا التحية من بعيد، ثم شاركت فى جنازته بعد اغتياله، وهى تعلم أن الكيان فقد داعم قوى، إلا انها اسرعت لمصافحة خَلفهُ الرئيس الجديد ليندون ب جونسون التى تعلم عنه معارضته لأية عقوبات كان من المتوقع ان يفرضها ايزنهاور على الكيان اذا رفض الانسحاب من غزة وسيناء بعد عدوان 56، وتقول:”عندما مددت يدى لمصافحته احاطنى بذارعه لفترة وقال لى:أعرف انك فقدت صديقا، لكنى أرجو أن تفهمى أننى أيضا صديق”بل وتذكر موقف جونسون المؤيد للكيان عقب عدوان 67 ورفضه انسحاب الكيان لحدود ما قبل 67 دون تسوية سلمية، وربما كانت علاقات جولدا الاستراتيجية بقادة امريكا هى التى شكلت وصاغت سياساتها فيما بعد حتى أنها ضحت بعدد من الجنود لدولة الكيان فى معارك أكتوبر ـ كيبور ورفضت القيام بضربة استباقية اجهاضية حتى تكسب عطف الامريكان (!).
وتقول عنه (ص 238) :”ان اسرائيل لمدينة له بالكثير، واعتقد انه كان القائد الوحيد الذى فهم الغلطة التى ارتكبهتا حكومة ايزنهاور عندما اجبرتنا على الانسحاب دون ان تبدأ مفاوضات مع العرب”وتذهب جولدا لابعد من ذلك فى علاقاتها بقادة امريكا ذاك الحليف الاستراتيجى، إذ يبرق من رد زوجة جونسون على عزاء جولدا لها فى وفاته 1973:”لقد كان اهتمامه ببلدك حقيقيا وعميقا، وكان احترامه لشعبك نابعا منت أعماق قلبه”اتذكر مطالعتى لكتاب “المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل”وتحليلاته لوثائق إسرائيلية، بما في ذلك يوميات بن جوريون المحفوظة في جامعة بئر السبع،ومحاضر اجتماعات مجلس الوزراء الإسرائيلي (1951-1966) والتى نشرها استاذنا محمد حسنين هيكل فى مجلة “وجهة نظر” عندما تحدث على لسان بن جوريون لوزراءه “عن ان الولايات المتحدة كانت تبحث عن حليف قوى لها فى المنطقة وقدمت الكثير لعبدالناصر ليقوم بهذا الدور لكن من حسن حظنا انه قد رفضه، وعلينا ـ الآن ـ أن نكون نحن الحليف القوى لامريكا فى المنطقة” وربما يتفق ذلك المعنى ما قاله الشهيد الخالد جمال حمدان عندما وصف دور الكيان بمفردة سياسية كانت مبتدعة وجديدة فى وقتها لكنها لخصت الوجود الاسرائيلى فى المنطقة، إذ قال انها “دولة وظيفية” أو الولاية الواحدة والخمسين لامريكا(!) فى كتابه المهم”اليهود أنثروبولوجيا” الصادر 1967 ونستكمل فى القادم ان شاء الله اعترافات الهزيمة رغم الجسر الجوى الامريكى.