محمد يوسف العزيزي يكتب : رسالة موجعة من مريض قلب داخل التأمين الصحي

لا يحتاج المريض إلى بيانات رسمية ليعرف مستوى الخدمة الصحية، ولا إلى تصريحات المسؤولين ليطمئن على جودة العلاج، فالمريض يعرف الحقيقة من اللحظة التي يدخل فيها باب المستشفى. هناك حيث تختلط آلام المرض بمرارة الانتظار، وحيث يتحول العلاج أحيانًا إلى رحلة شاقة تبدأ بالإجراءات وتنتهي بالإرهاق قبل أن تبدأ خطوات الشفاء.
ورغم ما يُعلن من تطوير في منظومة التأمين الصحي، ورغم ما يُقال عن تحسين مستوى الخدمات الطبية، ما زالت هناك شكاوى تكشف عن فجوة واضحة بين ما يقال في المؤتمرات والتقارير، وما يعيشه المواطن البسيط على أرض الواقع ، وأكثر ما يؤلم في هذه الشكاوى أنها تأتي غالبًا من مرضى كبار في السن أو أصحاب أمراض خطيرة، لا يحتملون ساعات الانتظار ولا تعقيدات الروتين !
وقد وصلتني الرسالة التالية عبر بريدي الشخصي من مواطن مصري يروي تجربة إنسانية صعبة عاشها داخل مستشفى التأمين الصحي بمدينة نصر، وهي رسالة أنشرها كما وردت دون تدخل في محتواها، لأن ما فيها من تفاصيل كفيل بأن يطرح أسئلة لا يجوز تجاهلها !
( رسالة مواطن : 13 ساعة انتظار علي أبواب العلاج )
في يوم الخميس الموافق 12 فبراير2026 ذهبت بصحبة ابني الأكبر على كرسي متحرك، حيث إنني أمشي بصعوبة، وقدمنا الأوراق المطلوبة لعرض حالتي على لجنة القلب التي تحدد الإجراء الطبي اللازم لكل مريض قلب ، وبعد توقيع الكشف على القلب ومراجعة التحاليل والأشعة التليفزيونية (الإيكو)، تم اتخاذ القرار بأنني أحتاج إلى قسطرة تشخيصية وتركيب دعامات ..
وبالفعل ذهبت يوم الأحد الموافق 15 فبراير 2026 وبعد العرض على استشاري آخر قام أحد العاملين باصطحابي إلى الغرفة التي سأنتظر بها حتى يستدعيني الاستشاري الذي سيجري العملية ، وللحق، كانت الغرفة نظيفة وملحقًا بها حمام نظيف، وإلى هنا كان كل شيء طبيعيًا
لكن غير الطبيعي أنني انتظرت أكثر من عشر ساعات كاملة قبل النزول إلى غرفة العمليات
وبعد عدة مناشدات مني للمسؤولين، تم إنزالي إلى مكان غرف العمليات على كرسي متحرك، وظللت هناك ثلاث ساعات أخرى، ولك أن تتخيل ما الذي يشعر به مريض قلب ينتظر كل هذه الساعات الطويلة دون تفسير واضح أو مراعاة لحالته الصحية
وعندما دخلت غرفة العمليات في تمام التاسعة مساءً، بدأ الأطباء في إجراء عملية القسطرة عن طريق الذراع، وهي عملية مؤلمة جدًا. ونظرًا لأنني أجريتها من قبل، طلبت أن يتم حقني بمخدر موضعي، لكن للأسف لم يستجب أحد لطلبي، فتألمت آلامًا شديدة ونزفت دماءً كثيرة.
ثم حضر الاستشاري الدكتور محمود أبو زيد، الذي كان يتابع الحالة من خلال إحدى الشاشات، وبدأ يشرح لي ما حدث، وقال بالحرف : ” لك عندي دعامة، ولكنك لست في حاجة إليها الآن، ولن يتم تركيبها، وسوف تتناول أدوية مؤقتة (تسعة أنواع)، وإذا تعبت مرة أخرى نركب لك الدعامات ”
وهنا أوجه سؤالي إلى السيد الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان، وإلى السيد رئيس هيئة التأمين الصحي : هل ما حدث معي هو الإجراء الطبيعي والبروتوكول المعمول به في الوزارة والهيئة التابعة لها هذه المستشفى؟
أرجو التحقيق فيما حدث معي، وفيما يحدث مع غيري من المرضى الذين يأتون من مختلف المحافظات إلى هذه المستشفى وغيرها من مستشفيات التأمين الصحي.
كما أود الإشارة إلى أمر خطير، وهو أنه داخل الكافتيريا الملحقة بمبنى المستشفى أمام استقبال الطوارئ، يتقابل بعض موظفي المستشفى مع المواطنين طالبي الخدمة – سواء عمليات قسطرة أو غيرها – لمساومتهم على دفع مبالغ مالية مقابل تسهيل دخولهم وإعفائهم من الحجز الإلكتروني الذي قد يستغرق شهورًا
وهذا الأمر يستوجب التحقق والتحقيق فيما ذكرته .. ألا قد بلغت اللهم فاشهد
مجدي شرف ( انتهت الرسالة )
ولنا كلمة أخيرة لا بد منها
هذه الرسالة ليست مجرد شكوى فردية يمكن وضعها في درج الإهمال، بل شهادة إنسانية موجعة تكشف جانبًا من معاناة آلاف المرضى داخل منظومة التأمين الصحي. وإذا كان مريض قلب يجلس على كرسي متحرك يستطيع أن يكتب ويروي ما حدث معه، فكم من المرضى عادوا إلى بيوتهم بصمت دون أن يسمعهم أحد؟
إن القضية هنا ليست هجومًا على منظومة ولا تشكيكًا في جهود الدولة، بل دفاع عن أبسط حقوق المواطن : أن يجد العلاج في الوقت المناسب، وأن يُعامل بكرامة، وأن يشعر أن مرضه أولوية لا رقمًا في طابور انتظار ..
وأقولها بصراحة ووضوح : إذا كانت خطط التطوير تُقاس بالأجهزة والمباني، فإن نجاح المنظومة الصحية يُقاس بشيء واحد فقط… هل خرج المريض مطمئنًا أم مكسور الخاطر؟
هذه الرسالة أضعها أمام المسؤولين، لا بحثًا عن ضجيج إعلامي، بل طلبًا لتحقيق عادل وإنصاف مريض، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي منظومة خدمية هو أن يفقد المواطن ثقته فيها.
فالمريض الذي انتظر ثلاث عشرة ساعة قبل غرفة العمليات لم يكن يطلب امتيازًا…
كان يطلب فقط حقه في العلاج بإنسانية !