عبد الناصر البنا يكتب: رمضان .. منك وإليك !!

كل عام وأنتم بخير .. كلنا عارفين رمضان شهر الخير والرحمات ، فى شهر رمضان كل الناس تحاول التقرب إلى الله بأعمال الخير بما فيها إطعام الطعام والصلاة والزكاة وقراءة القرآن ؛ والعطف على الفقير تصديقا لقوله تعالى { وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ﴾ .
ولشهر رمضان فى مصر خصوصية قل أن تجدها فى أى بلد آخر ، مصر تستقبل شهر رمضان بمظاهر وبشكل مختلف أبرزها ” زينة رمضان ” ولعلنا تابعنا لقطات جوية تكشف جمال زينة رمضان وهى تضىء شوارع مصر ، ودى ظاهرة العالم كله رصدها ، حتى أن هناك دولا كتيرة حاولت تقليدها ، لكن دايما الأصل هنا ، فتلك عادة متأصلة فى الشعب المصرى منذ أيام الفاطميين الذين حاولوا أن يستميلوا الشعب المصرى لـ حب المذهب الشيعى ، فأغدقوا عليهم بالهدايا والمنح والعطايا ، وأقاموا دارا لـ إطعام الطعام إسمها ” دار الفُطرة ” وكانوا ينثروا على الناس الذهب ويغدقوا عليهم بالهدايا ، وكانوا يقيموا الاحتفالات الكبيرة التى يدعى إليها عليه القوم ، ويشاهدها عامة الشعب ، وكانت المواكب مثل ” موكب الرؤية ” تطوف شوارع المحروسة وميادينها .
ولما دخل الخليفة المعز لدين الله الفاطمى مصر ، إستقبله أهل مصر بالزينات والفوانيس ، ويقال أن دخوله مصر تصادف مع قدوم شهر رمضان ، ومنذ ذلك الحين والمصريون حريصون على هذا التقليد الممتد عبر التاريخ ، ولذلك لاعجب أن تجد المصريين ” مسلمين واقباطا ” يحرصون على تلك المظاهر وقت دخول رمضان ، لدرجة انك قد لاتفرق بين بيت مسلم ومسيحى فى رمضان ، حتى القساوسة والرهبان فى الأديرة والكنائس يحرصون على تعليق زينة رمضان ، بل ومنهم من يقدم وجبات الإفطار للصائمين ، ولعل منصات التواصل ترصد ذلك التقليد كل عام .
هذا بخلاف موائد الرحمن التى يقيمها ميسورى الحال كل عام ، وقد كتبت فى العام الماضى مقال من جزئين حمل عنوان ” إرث المحبة فى رمضان ” وذكرت فيه ” عائلة عجايبى ” التى يعود مسقط رأسها إلى الأقصر فى صعيد مصر ، وقد حرصت على أن تقيم كل عام ” مائدة رحمن ” لـ إفطار الصائمين ، وللناس المارة فى الشوارع ، بل وتوزيع الوجبات الجاهزة على العمال في المناطق الصناعية المحيطة بالمدينة . لدرجة أنها أصبحت تقليدًا سنويًا ينتظره المسلمون والمسيحيون على حد سواء . وعن الإبن “محارب رمزي عجايبي” ، الذى يحرص للعام العاشر على تقليد متوارث من عائلته على إقامة ” مائدة رحمن ” فى مدينة الغردقة ، إنطلاقا من حرصه الشديد على التقاليد التي تربى عليها وعلى قيم المحبة والتعايش السلمي بين الأديان . وذلك تقديرا ومحبة منه لـ إخوته المسلمين .
ومنذ سنوات وأنا أحرص مع دخول شهر رمضان على أن لا أفوت فرصة الكتابة عن شهر رمضان الفضيل ، كتبت ( جيت
يارمضان ــ رمضان وقضايا مثيرة للجدل ــ رمضان قصص وحكايات على أربعة أجزاء ، وأعتقد أن كثير منا له مع شهر
رمضان اما قصة أو وحكاية مازالت باقية فى الذاكرة سواء كانت أغنية أو موقف إرتبط فى وجدانه وأصبح يذكره بدخول
شهر رمضان ، ومن منا لم يهتز قلبه وتنتفض جوارحه عند سماع الشيخ محمد رفعت فى رمضان .
وفى العام 2022 كتبت عن[ دراما رمضان ] ؛ وأنا ومازلت أنتقد محاولات صناع الدراما المستميته لـ ” إفراغ ” الشهر
الكريم من روحانياته . ولذلك أرى أنه لا لزوم لكل هذا الـ ” إنفاق الغير مبرر ” فى أعمال أغلبها لا لزوم له . وأنا دوما
أجد أن الإنسان لابد وأن يبدأ بنفسه أولا ، وأن ينأى بنفسه عن تلك الأعمال التى تبعده عن جوهر العبادة ، وأرى أن
البداية هى أن تدخل على هذا شهر الكريم بقلب حاضر ، قلب معلق بالمساجد ، وبقراءه القرآن الذى هو أعلى
مافى رمضان كما بدأ الله تعالى الآية الكريمة بقوله : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } .
والحقيقة .. أن كثير من إنحدار الأخلاق فى المجتمع المصرى ، يكمن السبب وراءه فى الأعمال الدرامية الغير
مسؤولة ، والحمد لله أن الانحدار الأخلاقي لايشكل ظاهرة ، وإنما هى تصرفات فردية يلفظها المجتمع ، والدراما فى
السنوات الأخيرة تناولت سلبيات ماكان يجب التركيز عليها أبدا ، بل وأظهرتها بشكل فج .
وأعتقد أيضا أن من الأشياء الغير مقبوله فى شهر رمضان أيضا ، هذا السيل العرم من الاعلانات التى ينفق عليها
الملايين بدون مبرر . والله لو أنفقت هذه الملايين على تحسين الخدمات فى القرى والريف سواء بإقامة مدارس أو
مستشفيات أو وحدات صحية أو بنى تحتية أو حتى لـ الصناعات الصغيرة والمتوسطة التى توفر الآلاف من فرص العمل
وتقلل من نسب البطالة ، لكن ذلك أجدى وأنفع .
كتبت أيضا تحت عنوان ( أعمال الخير فى رمضان ) .. وأختتم وأقول : عندما تجد زينة رمضان تعانق المسجد والكنيسة
فى نجع حمادى ، وعندما تجد ” الطبق الحائر ” بين سكان العمارة ولاتدرى من أين بدأ ولا إلى أين سوف ينتهى ،
وعندما تجد جارك المسيحى لايكتفى بتقديم التهنئة لك فى رمضان ، وإنما يحرص على دعوتك على الإفطار كتقليد
سنوى لايود أن يقطع له عادة ، وتجد بيته تزينه الأنوار والفوانيس مثل بيتك تماما ، وعندما تقرأ عن ( كاتى ظريق )
كأول سيدة مسيحية تقوم بدور المسحراتى فى مدينة دهب ولاتكتفى بذلك ، بل وتحرص على الصيام والإفطار مع
المسلمين .. عندما تجد كل ذلك ، وعندما تجد المساجد عامرة بالذكر والقرآن .. فأعلم جيدا أنك فى مصر ، مصر البلد
التى قرأ فيها القرآن ؛ البلد التى أهلها فى رباط إلى يوم الدين . . كل عام وأنتم بخير .. وحفظ الله مصر .