عبد الناصر البنا يكتب : المولد !!

المولد .. طقس مصرى خالص وقل أن تجده فى بلد آخر ، والمولد هو أقرب إلى ” كرنفال شعبى ” يقام لـ إحياء ذكرى أولياء الله الصالحين وفى حب ” آل البيت ” وللقديسين من الـ أقباط ، والمولد جزء أصيل من الموروث الشعبى الثقافى والاجتماعي المصرى ، ويكفى أن مصر فيها 2850 مولد تقام لها إحتفاليات سنوية !!
يأتى على رأس الموالد فى مصر مولد الرسول الكريم ﷺ ومن بعده آل البيت ” سيدنا الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة ” ، ومن الأولياء ” السيد البدوى ـ إبراهيم الدسوقى ـ عبدالرحيم القنائى ـ المرسى أبو العباس ـ أبو الحجاج الأقصرى ” ؛ ويحتفل المصريون مسلمين وأقباط أيضا بمولد السيدة العذراء مريم ـ ومولد مار جرجس ـ والقديسة دميانة .
والمولد عبارة عن حلقات ذكر وإنشاد دينى وقراءة القرآن ، تقيمها الطرق الصوفية ويشهدها الدراويش والأتباع والمريدين والمجاذيب . وتقام لها سرادقات توزع فيها “النفحة” أى الطعام والشراب مجانا لـ مرتادى الموالد من مختلف طبقات المجتمع المصرى ، ففى المولد تجد الغنى والفقير والمجذوب والدرويش والمتسول والحرامى ، وعلى كل لون ، رجالا ونساءا ، ويصاحب المولد عادة أبواب رزق عديدة لـ بعض طبقات المجتمع ، وفيه تباع ” حلوى المولد ـ والحمص ـ والمأكولات الشعبية ـ والمراجيح والألعاب النارية للكبار والصغار ، إلى جانب التحطيب فى الموالد التى تقام فى الصعيد .
الدراما المصرية لم تكن غائبة عن المشهد وجسدت هذا الفولكلور الشعبى الأصيل فى أعمال كثيرة منها ” قنديل أم هاشم ـ شىء من الخوف ـ فيلم المولد ـ مولد يادنيا ـ وأوبريت الليلة الكبيرة .. وغيرها ، وأنا أعتز جدا بلوحة بانورامية رسمها الفنان الدكتور طه القرنى تحمل إسم ” المولد” جسد فيها كل الطقوس المصاحبة لهذا الكرنفال الشعبى الفريد . على المستوى الشخصى المولد بالنسبة لى ” فوضى ” ولكنها منظمة ، ولذلك لاعجب أن يحتد أب على أولاده ويصف تصرفاتهم بالمولد ، كما قد يصف الرئيس عمل مرؤسيه بالمولد ، وفى الموروث يقال عن المولد “إحنا دافنينه سوا ” !!
والمتأمل جيدا للمولد يجد فيه المجذوب والدرويش والمتصوف الناسك والعابد والعربيد والزنديق واللص والمتحرش والحرامى وإن شئت قل ، ورغم ذلك تصادف دراويش وشخصيات من عليه القوم ممن يحرصوا على إرتياد الموالد ، وتجدهم يحدثوك عن كرامات ذلك الولى الذى تقام له الذكرى ، ويعددوا لك من صفاته وكراماته وخصال الخير عنده مصحوبة بكلمة ” مـــدد ” التى شابتها الحرمة من بعص المتسلفه .. وهذا ليس بموضوعنا .
أول عهدى بالمولد كان فى نهاية التسعينات وكنت عائدا لتوى من إقامة طويلة فى المملكة العربية السعودية ؛ وفى طريق عودتى للبيت توفقت حركة المرور تماما فى محيط مسجد السيدة نفيسة ، رضى الله عنها وارضاها ؛ ولما سألت عن السبب صرخ فىً أحد المجاذيب وقال : ” الليلة الكبيرة ” لسيدة المقام ، مداااااد ، وقتها قررت أن أخوض التجربة وكانت المرة الأولى التى أعيش فيها تجربة المولد ، والحقيقة أنها خطفتنى لدرجة أننى لم أبرح المكان إلا بعد إنتهاء الشيخ ” يس التهامى ” من الذكر والـ إنشاد الدينى عقب صلاة الفجر ، وماصاحب تلك الليلة من طقوس تقترب من طقوس السمو التى يقيمها الفنان إنتصار عبدالفتاح ، حيث النفحات والبخور والنور والايمان يحيط بك من كل جانب .
كانت تجربة الليلة الكبيرة قد تركت بصماتها ، ولفتت إنتباهى للإقتراب من هذا العالم الفريد والغريب خاصة بعد ضجت منصات التواصل مؤخرا بمشاهد المجاذيب الخارجة عن المألوف فى مولد السيد أحمد البدوى فى طنطا ؛ ومنذ عدة أعوام دعيت إلى حضور الليلة الختامية لـ مولد سيدي” أبو السعود الجارحي ” ، أحد أقطاب الصوفية ، في منطقة مصر القديمة بالقاهرة ، وقد أقيمت الأفراح والليالى الملاح ، وجاءت جلستنا إلى جوار أحد المتصوفة وكان شيخ الطريقة ، ولم يكن من السهل مغادرة المكان إلا بعد صلاة الفجر ، ولا أنسى ” نفحة ” تلك الليلة وكانت وجبة دسمة من اللحم وأطباق الأكل الصعيدى ” الويكة ــ والملوخية الناشفة ” وقد جهزت بإحترافية عالية ، وكان فيها نكهة الأكل الصعيدى ، وقد تصادفت الليلة الختامية للمولد مع قيام مضيفى التصدق بذبح عجل .
منذ أيام تعرفت على أحد المريدين لـ ” سيدى أبوالسعود ” عن طريق الصدفة ، وكنت خارجا لتوى من المركز الثقافى الروسى بالقاهرة ، ودار بيننا حديث قصير ، عرفت أنه لواء سابق ، وأنه إبن عم أحد أصدقائى من عائلة ” أبوالعزايم ” ، وكان ينتظر أحد مرافقيه للذهاب إلى الليلة الختامية لمولد ” أبوالسعود ” وهو أحد المريدين ، وقد تصدق أيضا بذبح عجل ، وقام بدعوتى أنا وصديقى ، ولكن الظروف حالت وقتها لتلبية دعوته . وفى زيارتى الأخيرة إلى مسقط رأسى فى قرية ” هو” ، قابلت بالصدفة أحد أعز أصدقائى فى مرحلة الدراسة الابتدائية ، وكان ذاهبا إلى مولد ” سيدى الأمير ضرار بن الأزور ” فى القرية ، وأصر أن يصحبنى معه .
طقوس المولد قد تكون متشابهة تقريبا ، كانت ليلة عامرة بالذكر والإنشاد وقراءة القرآن الكريم من قراء بلدتى ممن ذاعت شهرتم ، وجاء فى مقدمتهم فضيلة الشيخ أحمد أبو المجد عبادى ، وبعض قراء التلاوة من شباب القرية ، وقد تفضل صديقى الأستاذ ” محمد فتحى” المذيع فى إذاعة جنوب الصعيد بتقديم فقرات الحفل ، وقد لفت الـ إنتباه بأسلوبه الهادىء الرصين ، وآداؤه المتميز ، وقد كتب له التوفيق فى تلك الليلة .
أضرحة أولياء الله ، كلها أماكن عامرة بالإيمان وبذكر الله ، تخشع فها القلوب وتشعر فيها بروحانيات ونور وطمأنينة ؛ وصدق الله العظيم عندما قال : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس :62-63] .
بقى أن أشير إلى أن الأمير ضرار بن الأزور هو صحابى جليل وقائد مغوار ملهم من أهل النجدة ، وأبطال الجهاد فى معارك المسلمين فى خلافة الصديق رضى الله عنه ، شارك فى حروب الردة ، وحرب مسيلمة الكذاب فى بلاد الحجاز ، وفى خلافة الفاروق رضى الله عنه حارب الأمير ضرار تحت قيادة سيف الله المسلول الروم فى موقعة أجنادين .
ذاعت شهرة الأمير ضرار بن الأزور بأنه قاتل ملوك الروم فى الشام ومصر ، وكان أميرا على جماعة الفرسان الذين يسمون ” أهل النجدة ” فى الجيوش الاسلامية ، وفى ولاية سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، حارب الأمير ضرار تحت قيادة خالد بن الوليد الروم فى مصر فى ولاية سيدنا عمرو بن العاص رضى الله عنه فى منطقة ” البهنسا ” الواقعة بين المنيا والفيوم حتى تم لهم النصر بعون الله .
وقد شاءت الأقدار أن يقع الأمير ضرار بن الأزور أسيرا ، وشاركت الفارس الملثم السيدة خولة بنت الأزور شقيقته فى فك أسره . وفى مدينة ” هــور ” والتى تسمى ” هو ” حاليا وكانت أيضا تسمى طيبــة الثانية ، أو بلد الحب والموسيقى والجمال عند الرومان ، ومقر الإلهة حتحور ، والتى تقع على نهر النيل ، حارب الأمير ضرار الروم بالقرب من جبانة ” هو ” حاليا ، ودارت رحى الحرب ، وقد شاركه زملاء الجهاد والكفاح ؛ منهم الشهيد ” الخطاف والحارس والجمال ” . وكانوا جميعا قادة وقدوة ولهم مقامات طاهرة فى قرية ” هو” تفوح منها رائحة الفداء . وقد روى ضرار بن الأزور حديثا عن رسول الله ﷺ وكان وقتها حديثا فى السن .
أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ .. ، صلاة من الله وسلام ورضوان عليكم آل البيت .