محمد نبيل محمد يكتب : الصورة الذهنية لنصر اكتوبر وهزيمة كيبور 16

جولدا: كل ساعة تمر على هزيمتنا تمضى وكأنها قرن من الزمان

الكاتب محمد نبيل محمد

“وابلغت دنيتز تليفونيا اننى على استعداد للسفر الى واشنطن سرا لمقابلة نيكسون إذا كان فى وسعه ترتيب ذلك، وقلت له: ابلغنى حالا، فأنا أريد السفر بأسرع ما يمكن”..هكذا كانت صدمة عبور المصريين وهزيمة جيش الدفاع صاحب اسطورة “الجيش الذى لا يقهر” فقد هرعت ـ فزعا ـ جولدا لامريكا تستجدى منها الدعم فى مواجهة المصريين، والسؤال البديهى فى إجابته:هل كانت حال جولدا تشى بالنصر أم يتجلى فيها انهيارها النفسى والمعنوى بسبب الهزيمة؟!كالعادة ـ عزيزى ـ القارىء اترك لك الاجابة.
وتتواصل مساعى جولدا مع امريكا للحصول على الدعم العسكرى واللوجستى، فتقول:”فقد أمر نيكسون بنفسه ـ أخيرا ـ بارسال الطائرات الجبارة جالاكسى، ووصلت اولى رحلاتها فى اليوم التاسع من الحرب 14 أكتوبر”..أخير بدأت جولدا تلتقط أنفاسها بعد ضربات المصريين المتلاحقة والموجعة لجيشها ولكيانها، حتى أنها كانت تعتراف بمذكراتها:” وكانت كل ساعة من ساعات الانتظار تنقضى وكأنها قرن بالنسبة لى”..هكذا كان الانهيار النفسى لرئيس وزراء الكيان الذى تعصف بأركانه دقات دقائق أزنة الهزيمة،..ويكفيها الاعتراف هنا:”فى الوقت الذى كنا نخسر فيه الطائرات بمعدل مزعج”..وهنا ارد اعترافها للمقولات التى روج لها موشيه دايان، بـ “قدرة اليد الطولى لجيش الدفاع”وأقاويلها هى ذاتها التى ملئت الدنيا ضجيجا بها عندما كانت تردد:”طائراتنا قادرة على الوصول للعمق المصرى، وانتظر اتصالا من القاهرة على تليفون مكتبى بتل ابيب يعلن الاستسلام للأمر الواقع”..لكن شيئا من هذا التهويل الأرعن لم يثمر سوى ثمارا غضة كطعام الأثيم، وكأن لسان الحال يقول لها بسخرية:”ذق انك انت العزيز الحكيم”..لم يرن تليفون المكتب معلنا استسلام القاهرة، ولم تصل طائراتها الى العمق، كما كانت تعوى، بل قطع رجال الدفاع الجوى والمصرى ونسور سمائها كلِ يدٍ تطاولت على قداسة الوطن، وتساقطت طائرات الكيان كما الذباب المحترق.
تعترف جولدا باكية، وتقول للتاريخ الذى يوثق الشهادات:” بكيت لاول مرة منذ بداية الحرب عندما علمت أن الطائرات قد حطت بمطار اللد، وكان ذلك هو اول يوم نعلن فيه خسائرنا، فقد مات لنا فى المعركة 656 اسرائيليا”..ٍ من هذا الاعتراف بغض النظر عن حالة البكاء بعد الاستجداء، يتضح للقارىء اعترافا مهما بل غاية فى الاهمية، فقد كانت جولدا وصقور الكيان بل وحمائمه يرددون فى تباهٍ:ان دولتهم هى قلعة الديمقراطية فى المنطقة” ودرات ماكينة الدعاية على مقولات من نوع”الشفافية فى اسرائيل، والحرية، واحترام الرأى العام”الى غير ذلك من الدعايات الجوفاء، ٍ فهى تعترف أنه فى اليوم التاسع من الحرب تمكنت من ابلاغ الرأى العام، عن حقيقة الموقف، أتذكر اعترافها فى صدر الصفحات الاولى من فصل “الهزيمة”بكتابها”مذكراتى”أو “حياتى” عندما قالت صراحة صباح يوم السابع من أكتوبر:”كان اقل ما يجب ان نفعله من اجل جنودنا ومن اجل عائلاتهم ان نحتفظ لانفسنا بالحقيقة عدة ايام أخرى” وتستطرد :” كنت اعلم اننى لا يجب ان اقول كل الحقائق” .. هنا اذكر القارىء باعتراف جولدا صباح اليوم الثانى من عبور المصريين، بأن تكذب على شعبها، وتخفى عنه حقيقة الهزيمة، والآن وفى اليوم التاسع من المعركة تعلن جولدا للأمهات الثكلى عن محصلة حصد أرواح ابنائهم فى معركة كان يتوهمون أنها نزهة، فقد أعلنت، عن عدد قتلاها بعد أن وصلها الجسر الجوى الأمريكى، ترى عزيزى القارىء ماذا كان ليحدث؟ حال ان التزمت امريكا الحياد، ولم تعتبر الكيان هو الولاية الواحدة والخمسين لها، أو “الدولة الوظيفية” كما عرفها الشهيد جمال حمدان،ولم تتدخل بالدعم العسكرى والمعلوماتى والاستخباراتى وتذليل قدرات أقمارها الاصطناعية التى تجسست على أوضاع وحداتنا على الجبهة، فى هذه الحال ما هو تصورك عزيزى القارىء عن وجود الكيان فى المنطقة العربية؟!
تعترف جولدا بتفاصيل الجبهة الموجعة:”اتصل بى ـ تقصد حاييم بارليف ـ تليفونيا من سيناء يوم الاربعاء، مباشرة عقب معركة الدبابات الرهيبة، وما أن قال لى بأسلوبه البطئ فى الحديث: ج ـ وا ـ د ـ ا””هى تصف لنا ما سمعته من حاييم،وتستطردعن لسانه:”رغم ان معارك دموية أخرى حدثت بعد ذلك وراح ضحيتها مئات من الارواح من الصغار والكبار أيضا” وأحيل لك ـ عزيزى القارئ ـ هذا الاعتراف وهو أنه فى معركة واحدة لسلاح واحد “الدبابات”وفى يوم واحد”الاربعاء”مات من جيش الدفاع وقتل المئات، باعتراف جولدا على لسان حاييم، أليس فى حديثها عن قتل ألـ 656 قتيل كذبا فى تواضع الرقم ؟! عموما نستكمل اعترافاتها:” ولعل ذلك ما جعل الناس بعدئذ يقترحون تسميتها لا بحرب يوم كيبور، وانما بحرب الاباء والابناء”..ونستكمل فى القادم ان شاء الله اعترافات الهزيمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.