جبهان عبد الرحمن تكتب : الشيخوخة الاخلاقية

حين تعرّض الفنان محيي إسماعيل لأزمة صحية طارئة، نُقل على إثرها إلى المستشفى، وبعد تحسّن حالته انتقل للإقامة داخل دار رعاية كبار الفنانين التابعة لنقابة المهن التمثيلية بمدينة السادس من أكتوبر. وفي بيان رسمي، أكّد نقيب الممثلين حرص النقابة على توفير الرعاية الصحية والاجتماعية اللائقة لكبار أعضائها، تقديرًا لما قدموه من عطاء فني.
مشهد إنساني يبعث على الارتياح، ويُحسب للنقابة، لكنه في الوقت ذاته يفتح بابًا للأسئلة المؤجلة، لا عن فنان بعينه، بل عن معنى الحماية حين يتقدّم العمر، وعن العدالة حين تتعرّى من بعدها الإنساني.
فبين هذه النقابة ونقابات أخرى لا تبعد عنها سوى أمتار في قلب القاهرة، يظهر تفاوت صادم في فهم الدور الاجتماعي. تفاوت لا تكشفه بيانات الميزانيات، بل تفضحه حكايات صامتة لأعضاء قضوا أعمارهم داخل المهنة، ثم خرجوا منها إلى معاش لا يتجاوز ثلاثة آلاف جنيه، في واحدة من أغنى نقابات مصر، التي يناهز عدد أعضائها المشتغلين ستمائة ألف عضو.
ثلاثة آلاف جنيه…
رقم لا يليق بأن يُسمّى معاشًا، في سنٍّ تتكاثر فيه الأمراض، ويصبح الدواء ضرورة يومية لا رفاهية. رقم لا يصمد أمام أسعار تتغيّر بين الصباح والمساء، ولا أمام احتياجات أساسية لا تنتظر. ثم جاءت تعديلات قانون الإيجارات، فوجدت إحدى هؤلاء نفسها مطالبة بدفع ألف جنيه إيجارًا، من أصل مبلغ بالكاد يكفي لتأمين الحد الأدنى من الحياة.
هنا لا نتحدث عن أرقام مجردة، بل عن أيام تُحسب بحذر، ووجبات تُختصر، ومرض يُؤجَّل علاجه، وكرامة تُستنزف بصمت. عن شيخوخة تُدار بمنطق الحساب، لا بمنطق الرعاية.
وأيًّا كان الموقف من قانون الإيجارات — بين مستأجر متضرر ومالك يرى في القانون إنصافًا — يبقى السؤال الإنساني أكثر إلحاحًا: هل يمكن للعدل أن يكون قانونيًا فقط، دون أن يكون اجتماعيًا؟ وهل يكفي أن يكون النص منضبطًا إذا كان أثره على البشر قاسيًا إلى هذا الحد؟
حين حاولت هذه السيدة البحث عن دار رعاية لكبار السن، اصطدمت بحقيقة أخرى لا تقل إيلامًا:
غرفة رباعية بستة آلاف وخمسمائة جنيه،
ثلاثية بثمانية آلاف،
وثنائية بعشرة آلاف جنيه شهريًا.
أرقام تُقصي الفقراء من فكرة الأمان ذاتها، وتجعل الرعاية امتيازًا طبقيًا، لا حقًا إنسانيًا. وهي ذات الرعاية التي وفّرتها نقابة المهن التمثيلية لأحد أعضائها، بينما غابت تمامًا عن تفكير نقابات أخرى تمتلك من الموارد والاشتراكات ما يكفي لبناء منظومة حماية حقيقية لكبار أعضائها.
هنا يتجاوز الأمر حدود المقارنة، ليصبح سؤالًا فكريًا وأخلاقيًا: متى يفقد الإنسان قيمته في نظر المؤسسة التي انتمى إليها عمرًا كاملًا؟
ابن خلدون، في مقدمته، ربط ازدهار المجتمعات بقوة “العصبية”؛ أي شعور الجماعة بالتماسك والمسؤولية المتبادلة. وحين تضعف هذه العصبية، وتتحول المؤسسات إلى هياكل إدارية بلا تضامن، يبدأ الانحدار، حتى لو بدت الموارد وفيرة واللوائح صارمة.
ما نشهده اليوم ليس أزمة معاشات فحسب، بل علامة على وهن هذا التماسك. فالنقابة التي تحصي أعضاءها في دفاتر الاشتراكات، ثم تغفلهم عند الشيخوخة، تدخل — وفق المنطق الخلدوني — مرحلة الشيخوخة الأخلاقية، حيث تبقى المؤسسة قائمة، لكن روحها تنسحب منها.
الشيخوخة ليست شأنًا فرديًا، بل اختبارًا أخلاقيًا للمجتمع كله. اختبار يكشف إن كانت النقابات بيوتًا لأبنائها، أم مجرد كيانات تُغلق أبوابها حين ينتهي الدور.
وحين يفشل المجتمع في هذا الاختبار، فإنه لا يُهين كبار السن فقط، بل يُهين مستقبله هو… لأن العدل الذي لا يحمي الضعفاء، عدلٌ يشيخ سريعًا، ثم يُترك وحيدًا.