محمد نبيل محمد يكتب :الصورة الذهنية لنصر اكتوبر وهزيمة كيبور 15
جولدا مائيرتصرخ لحلفائها طلبا للنجدة من بطش المصريين

استمر المصريون فى العبور وتشكيل رؤوس كبارى الجيشين الثانى والثالث والفرق المشاة والمدرعة التى عبرت خلال اليومين السادس والسابع من أكتوبر، واكتمل بناء حائط الصواريخ وتشكيلاته من كتائب الرادار والصواريخ التى منعت الطيران العبرى من الاقتراب من قناة السويس وحتى مسافة تزيد عن العشرين كليومتر شرق القناة، وعندما ادركت جولدا خطورة الموقف، وكارثيته على الوجود العبرى، لم يكن أمامها كسياسية بعد الإبقاء على موشيه دايان ليشاركها عار الهزيمة والمساءلة أمام الشعب العبرى، فقد لجأت إلى حليفها الأقوى، الذى يعتبر كيانها بالإجمال الولاية الواحدة والخمسين من ولاياته، ويعتبرها ـ أيضا ـ الدولة الوظيفية له فى المنطقة، كما فسر وفند الشهيد جمال حمدان، فراحت جولدا مهرولة إلى الولايات المتحدة تتواصل فى سيل المحادثات المتصلة دون انقطاع من جانبها وتلح على الامريكان، وتقول:”ثم بدأنا محادثات حول الحصول على معونة عسكرية من الولايات المتحدة”.
وهنا ملاحظة شديدة الأهمية السياسية والعسكرية وربما التاريخية فقد اعترفت جولدا:”وفكرنا فى قيام قواتنا بعبور القناة، لكن ما الذى سيحدث لو أن قواتنا وقعت فى مصيدة هناك؟”.. هذه الملاحظة من اعتراف جولدا سيأتى ذكرها بالتفصيل عند الحديث عن اعترافات “اريئيل شارون” مهندس الثغرة “التمثيلية” لكن ـ الان ـ جولدا تعترف بأن مجرد عبور قواتها الى الغرب من قناة السويس سيكون بمثابة انتحار ا عسكريا (!).
ونعود لاعترافات جولدا عن مجريات الحرب:” كان على أن أفكر فى إمكانية أن تكون الحرب طويلة، وأن نجد أنفسنا بدون ما نحتاجه من طائرات أو دبابات أو ذخيرة، كنا فى مسيس الحاجة إلى كل ذلك”.. وهنا تقدر جولدا الموقف بدقة متناهية، وبصراحة مع الذات منقطعة النظير، فهى لن تسطيع صبرا فى صد الهجوم المصرى بامكاناتها المقيدة من الطيران “اليد الطولى” التى قطعت من خلال كلا من وحدات الدفاع الجوى، واشتباكات الطيران المصرى الشرسة، وقدراتها من المدرعات التى تهاوت أمام قنص المقاتل المصرى بصوايخه المحمولة على الكتف زهيدة التكلفة فائقة القدرة على اصطياد مدرعاتها غالية الثمن، والتى اصبحت كما قالت لاحقا عنها “أصبحت دباباتنا صناديق من اللهب تحرق جنودنا”!.
وتقول عن محادثاتها مع الامريكان لنجدتها:” تحدثت مع دينتز فى واشنطن فى كل ساعات النهار والليل، أين الجسر الجوى؟ لماذا لم يأتى؟” .. وكعادتنا التى اتفقنا عليها ـ معا ـ عزيزى القارىء اترك لك تقدير الموقف من الحاح جولدا للامريكان عن وصول الجسر الجوى، هل هذا الاحاح التى اشارت اليه ليلا ونهارا، انعكاسا لنصر هم قد حققوه ؟ أم عن هزيمة يرجون تخفيف وظأتها؟ّ.
ونعود لاعترافات جولدا ـ المذعورة ـ من خلال اتصالاتها :” واذكر اننى تحدثت معه ذات مرة فى الساعة الثالثة صباحا، فقال لى: لا يمكننة يا جولدا ان اتحدث مع احد، ان الوقت مبكر للغاية” وتستطرد:” لكننى لم أكن لاستمع إلى صوت العقل” .. الامر الذى يعكس خلال نفسيا فى تجاوز بروتوكولات الدبلوماسية فى التواصل مع حلفائها، حتى انها ـ شخصيا ـ تحت ضغط الانتصار المصرى الساحق كانت تعترف ان تصرفاتها فارقت العقلانية.
ويبدو ان حالة القلق التى تملكت جولدا وقت الحرب مازالت تضفى عليها بظلال الريبة والشك والتوتر، فتتساءل فى سياق اعترافاتها:” كنت اعلم ان الرئيس نيكسون قد وعد بمساعدتنا” وتستطرد:” واسمحوا لى عند هذه النقطة أن اقول شيئا طالما كررته إلى حد انه ضايق اصدقائى الامريكيين” وهنا تكرر جولدا السؤال:” مهما كان حكم التاريخ على ريتشارد نيكسون وهو حكم اعتقد انه سيكون قاسيا، فإنه يجب ات يسجل الى الابد انه لم يخلف وعدا واحدا قطعه لنا، إذا لماذا التأخير؟”.. كانت هذه الملاحظة خاصة جولدا تحمل تساءلا يشى بالتوتر النفسى نتيجة صدمة الهزيمة أمام المصريين، حتى أن هذا التوتر النفسى لرئيسة وزراء الكيان العبرى بلغ أوجه كما تعترف هى:” وصرخت فى دنتيز بغضب، لايهمنى ما هى الساعة الان، اطلب كيسنجر حالا، فى وسط الليل، نحن فى حاجة الى النجدة، بسرعة اليوم، لانها قد تكون متأخرة جدا غدا” .. هى هنا تتحدث عن اليوم الخامس من انتصار المصريين، وتقول:” وفى يوم الاربعاء ، خامس أيام الحرب”.
ونترك جولدا غارقة فى توترها الذى جاوز حدود الدبلوماسية، ونستكمل فى القادم ان شاء الله صراخها مع الامريكان فزعا من المصريين.