” ملك العرائس” .. قصة قصيرة للإعلامي محمود عبد السلام  

الإعلامي محمود عبد السلام

” ملك العرائس” .. قصة قصيرة للإعلامي محمود عبد السلام

في ممر خلفي في حديقة القصر وقف اثنان من الوزراء يتناجيان بصوت هامس.

الوزير الأول: عم مساءً يا وزير الجباية.

الوزير الثاني: عم مساءً يا وزير الحرب.

الأول: ترى سيعقد مليكنا المفدى اجتماعه الأسبوعي هذا المساء؟

الثاني: لا أظن.

الأول: منذ أكثر من شهر لم يعقد الملك اجتماعه مع وزراءه!

الثاني: ولا يباشر أي عمل من أعمال المملكة!

الأول: ترى هل مليكنا مريض؟

الثاني: سألت طبيبه الخاص نفى مرضه بشدة، بل أكد لي أنه في أحسن حال.

الأول: إذاً هو يرفض مقابلتنا تمهيدًا للتخلص منا.

الثاني: وكيف سيدير شؤون الحكم دوننا؟

الأول: وهل نحن نقوم على شؤون الحكم فعلًا، ما نحن إلا عرائس يحركها كما يشاء.

الثاني: صدقت، بل إذا عارضه أحد منا تخلص منه على الفور.

الأول: الزم صمتك ولا تبح لأحد بهذا الحديث الذي دار بيننا.

الثاني: وهل أنا جننت، مليكنا لا يطيق أن يفضي أحد منا لآخر بحديث دون علمه.

الأول: ولا تنسى العسس والبصاصين المنتشرين في كل مكان.

الثاني: صحيح ولا تنسى أيضًا أن الجدران لها آذان.

الأول: صدقت فلنفترق قبل أن يرانا أحد وداعًا …وداعًا.

إثنان من الفحامين يجلسان أمام الدكان يثرثران بعد توقف البيع والشراء نظرًا لارتفاع الأسعار.

الأول: مر يومان دون أن أبيع كيلو فحم واحد!

الثاني: وأنا كذلك منذ عدة أيام!

الأول: زوجتي لم تطق ضيق ذات اليد هربت إلى أهلها بعد خروجي في الصباح.

الثاني: منذ مطلع الأسبوع ولم يوقد في داري نارًا لطهى طعام.

الأول: ذهبت أشتكي إلى شيخ التجار نهرني و وخزني في بطني ثم قال لي يافاجر.. يا كافر بنعمة الله، ثم أطلق عقيرته يستدعى الشرطي المدجج بالسلاح، سبني الشرطي بأقذع الألفاظ وألقى بي على قارعة الطريق يتوعدني إن يلقى بي في غياهب السجن إذا عدت للشكوى مرة أخرى.

الأول: لقد حذرتك من قبل لكنك لم تتعظ امسك عليك لسانك، واربط حجرًا على بطنك خيرًا لك من أن يلوطوا بك في المعتقل.

شرطي يمشي في السوق مزهوًا بملابسه المميزة يضع يد على مقبض السيف، والأخرى في وسطه، يعترض طريقه أحد الشحاذين.

الشحاذ: أعطيني مما أعطاك الله؟

الشرطي: أعطيك قلمًا على قفاك حتى تتوب عن مضايقة الناس بالسوق.

الشحاذ: أي حسنة لله جوعان منذ أيام؟ أمثالك هم من يسيئون للمملكة، حتى إذا جاءها الزائرون من الخارج ظنوا أننا فقراء، لابد من القبض عليك يا ابن العاهرة.

يحاول الشرطي أن يجر الشحاذ نحو المغفر، تلتف الناس حول الشرطي تحاول استخلاص الشحاذ من بين يديه يحدث هرج ومرج.

امرأتان تتبادلان الحديث من خلال نافذتين متجاورتين.

الأولى: ثلاثة أيام لم تر عيني النوم.

الثانية: ربنا يرجع لك ابنك بالسلامة.

الأولى: فجأة طرق شديد على الباب، بعدها اقتحم عدة رجال يحملون السلاح البيت، ثم توجهوا مباشرة إلى حجرة ابني، اختطفوه من وسط إخوته وهو نائم، تشبثت به، تلقيت ضربة على رأسي أفقدتني الوعي، ذهبت إلى دار الوزارة وسجدت تحت أرجل الحرس أترجاهم للدخول للبحث عن ابني أهملوني حتى جاء المساء، ومن حينها وأنا أتردد عليهم استعطفهم ولا مجيب.

مجموعة من الأطفال يلعبون في حواري الحي.

الطفل الأول: أعطيني سيفك الخشبي.

الطفل الثاني: أخذه الملك ليحارب به الأعداء.

الطفل الثالث: لا تذكر اسم الملك يسمعك الحرس.

الطفل الرابع: أخي عندهم منذ أيام حذارى إن يقبضوا عليك مثله.

الطفل الخامس: هيا لنتسلق الشجرة وننظر على القادمين من آخر الطريق لعل أخاك يكون بينهم.

الحكيم في حجرة الملك يتحدث إليه والملك منهمك في صنع عرائس خشبية.

الحكيم: مولاي دامت صحتك واستمرت ضحكتك.

الملك: ما رأيك يا حكيم الزمان في العرائس؟ صنعتها بيدي، غدًا أستغني عن الحرس، وأستبدله بالعرائس.

الحكيم: مولاي هذه العرائس خشب!

الملك: سوف يحركها ذهبي وسيفى.

الحكيم: إنها لا تأكل ولا تحتاج إلى النقود!

الملك: لا أحد يكره الذهب ولا أحد لا يخش السيف.

الحكيم: عامان مرا دون أن يطالع الرعية وجهك الصبوح.

الملك: لا أريد أن أرى وجوههم الكريهة.

الحكيم: اخرج من ظلام حجرتك وافتح النوافذ لعل ضوء الشمس يضيء عتمة القصر.

الملك: لا أحب الشمس، منذ طالعت هذه الندبة في وجهي وأنا أكره اثنين: المرآة والنور.

الحكيم: يستطيع طبيب القصر أن يداويها بعلمه وخبرته.

الملك: عجبًا لك يا حكيم! وهل يعرف الطبيب أكثر مني؟

الحكيم: عفوًا يا مولاي.. أقصد أن…!

يقاطعه الملك بحده اسمع يا حكيم، هذه الأرض ملكي وكل من عليها ورثتها عن أجدادي، وأراك تعارضني!

الحكيم: كلا يا مولاي.

الملك: ما رأيك في حكمي للمملكة؟ أليس عادلًا؟

الحكيم: يا مولاي، الحكم يقتضي أن يكون الحاكم عادلًا رحيمًا، وأن يراعي الملك مصالح شعبه.

الملك: وماذا عن قوة الملك؟ أليست هي التي تحفظ المملكة؟

الحكيم: القوة وحدها لا تكفي، يا مولاي. العدل هو الذي يحفظ المملكة ويجعلها قوية.

الملك: وهذا الشعب الضعيف، كيف يمكنه أن يعارض حكمي؟

الحكيم: الشعب الضعيف قد يصبح قويًا إذا شعر بالظلم. والعدل هو الذي يجعل الشعب يحب ملكه.

الملك: إذًا، أنت تريد منى أن اكون رقيقًا مع شعبي؟

الحكيم: لا، يا مولاي. بل يجب أن تكون عادلًا، رحيمًا، وحازمًا في الوقت نفسه.

في تلك الأثناء كان الشغب قد امتد من السوق إلى بقية أنحاء المملكة، حتى وصل هتاف الناس إلى سمع الملك في القصر، استدعى الملك الساحر الأعظم.

– الساحر: مولاي.

– الملك: تأخرت!

– منعني تجمهر الناس عن الوصول إلى القصر بسهولة.

– وأين سحرك لماذا لم تتحول إلى طائر وتطير، أو هواء يمر بينهم، أو حتى كلب ضال لا يعيره أحدًا اهتمام؟

– مولاي يعلم أنى مخلص له، وأتمنى دائمًا رضاه.

– أريد منك أن تحول كل هذه العرائس الخشبية إلى فرسان يحملون السيوف والدروع.

– أمر مولاي، لكن إذا سمح مولاي، هؤلاء لا عقل لهم إذا أطلقناها لم يفرقوا بين مشاغب أو مسالم، أو بين جيشنا ورجالهم.

– لا يهمنا أريد أن انتهى من الجميع، أنا وحدى في مملكتى.

– فليكن مشيئتك يا مولاي.

كتب حكيم المملكة في دفتر يومياته: انطلقت العرائس الخشبية في شوارع المملكة تعيث فسادًا لا تفرق بين النساء والرجال ولا بين الشيوخ والأطفال، وغرقت الطرقات في الدماء وأصبحت النجاة مستحيلة، حتى قضت العرائس الخشبية على الجميع، ثم استدارت بعد ذلك تستهدف قتل الملك.

تمت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.