الكاتب الصحفي عصام عمران يكتب:” مش قادر .. غادر !! “

الكاتب الصحفي عصام عمران

لم تكن الكلمة التى ألقاها الرئيس السيسي فى الاحتفال بعيد الشرطة مجرد خطاب احتفالي تقليدي، لكنها جاءت كوثيقة سياسية وأخلاقية تعكس فلسفة حكم، وتشرح تصور الدولة المصرية لنفسها ولدورها، في محيط إقليمي ودولي شديد الاضطراب.

احتلت قضية الشهداء وأسرهم مساحة كبيرة وأساسية في كلمة الرئيس -ليس من باب الرمزية- وإنما باعتبارها التزامًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا- ولا يجب اختزالها في مناسبة سنوية، وإنما هي مسئولية مستمرة تتحملها الدولة والمجتمع معًا.

الرئيس ركز على معركة الوعي باعتبارها التحدي الأكبر خلال تلك الفترة ، خاصة في ظل التطور الهائل للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وقدرتهما على صناعة الأكاذيب وتزييف الواقع ، وهنا يبرز إدراك القيادة لطبيعة التهديدات الجديدة التي لا تقل خطورة عن الإرهاب المسلح، بل قد تكون أكثر تعقيدًا.

و من هذا المنطلق أتمنى أن تكون الرسالة قد وصلت لمن يعنيهم الأمر عندما أكد الرئيس أن حماية الشباب لا تكون بالقمع أو التضييق، وإنما بالتعليم، والحوار، وفتح قنوات التواصل، وتحميل مؤسسات الدولة -من التعليم والإعلام إلى المؤسسات الدينية- مسئولية متكاملة في بناء عقل نقدي واعٍ، قادر على التمييز بين الحقيقة والزيف.

الشيء الآخر المهم فى كلمة الرئيس كان تأكيده أن قوة مصر تكمن في نسيجها الوطني المتماسك، وأن التطرف -دينيًا كان أو فكريًا- لا يجد له موطئ قدم في دولة تحترم الإنسان لكونه إنسانًا وفقط.

و على الصعيد الخارجي، كشفت كلمة الرئيس السيسي وضوح بوصلة السياسة المصرية، وثبات سياساتها، برفضها القاطع لتصفية القضية الفلسطينية أو تهجير الشعب الفلسطيني، وبإبراز الدور المصري المحوري في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، وهو ما يؤكد أن مصر ما زالت رقمًا مهمًا من المستحيل تجاهله في معادلة الاستقرار الإقليمي.

ولعل أخطر ما جاء في خطاب الرئيس واعمقه ودلالةً، عندما تحدث عن ” الميليشيات ” أو ما يمكن اعتباره إدانةً تاريخيةً صريحةً لمشروع تفكيك الدولة العربية، حيث حمِّل «الأطراف التي نشرتِ الميليشيات» مسؤولية تدمير دول بأكملها في المنطقة.

والأهم أن الخطاب لم يتوقف عند النقد ، بل أعلن ما يشبه عقيدة الدولة الوطنية المصرية بصيغة صلبة، قوامها الرفض القاطع لأي مساعٍ لتقسيم الدول، أو اقتطاع أراضيها، أو إنشاء كيانات موازية للجيوش والمؤسسات الشرعية.

نحن هنا أمام تعريف وجودي للصراع في الإقليم: ليس بين أنظمة ومعارضات، ولا بين أيديولوچيات متنافسة، بل بين نموذجين متضادين للحكم، نموذج الدولة المركزية الحديثة، ونموذج الفوضى المُدارة عبر الفاعلين من الخارج !! .

ومن هذا المنوال يجب علينا التوقف طويلا عند جملة «افتخروا ببلدكم… منذ عام 2013 لم تشارك مصر في أي مؤامرة لتدمير المنطقة»، فهي لم تكن مجرد كلمات خطابية عاطفية، بل تمثل تموضعًا أخلاقيًّا استراتيجيًّا داخل النظام الإقليمي، تسعى من خلاله مصر إلى تسجيل نفسها خارج سردية الخراب العربي الممتد منذ 2011، لا كطرف محايد فقط، بل كفاعل يقدّم نفسه شاهدًا أخلاقيًّا على ما جرى.

وتُتوَّج هذه الفقرة بأخطر حكم في الخطاب كله: «سيحاسَب أولئك الذين فعلوا ذلك»، وهي ليست تهديدًا قانونيًّا بقدر ما هي إعلان محاسبة تاريخية مؤجلة، تُنقل فيها المسؤولية من ساحات السياسة إلى محكمة الذاكرة والشرعية والسردية الكبرى للتاريخ.

بهذا المعنى، لا يتحدث هذا الجزء عن دول بعينها، ولا عن صراعات محددة، بل يؤسس لإطار تفسيري شامل يرى ما جرى في الإقليم كصراع وجودي بين بقاء الدولة أو انقراضها.

كما كانت رسالة الرئيس لجميع مسئولى قيادات الدولة واضحة عندما قال «المسؤول اللي مش عارف شغله في مؤسسته يغادر ويمشي»، وهى جملة تكشف أن معيار البقاء فى المنصب الكفاءة والقدرة على الإنجاز ، وهومايجب أن نعيه جميعا لاسيما من يتولون المناصب القيادية كل فى موقعه صغر أم كبر .

كما لم تغب التنمية عن خطاب الرئيس، لكنها جاءت كإطار جامع لكل السياسات، عندما أكد أن الاستقرار ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق التنمية الشاملة، وتحسين مستوى معيشة المواطن، وبناء اقتصاد قوي، قادر على الصمود أمام الأزمات العالمية ،

و هنا تتضح الرؤية الطموحة لبناء دولة تعتمد على كوادر شابة مؤهلة، ومؤسسات قوية ، وإصلاحات اقتصادية مدروسة، مدعومة بإرادة سياسية صلبة، دون مغامرة أو تهور، وهي رؤية تعي أن نتائج الإصلاح قد لا تكون فورية، لكنها تراكمية ومستدامة.

ختاما نؤكد أن كلمة الرئيس في عيد الشرطة هذا العام وضعت الإطار لمشروع دولة متكامل الأركان، دولة تحترم تضحيات أبنائها، وتبني مؤسساتها بعقل وحكمة، وتحمي أمنها بالوعي قبل السلاح، وتسعى للتنمية دون أن تتخلى عن ثوابتها، وتؤدي دورها الإقليمي والدولي بثقة ومسؤولية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.