محمد يوسف العزيزي يكتب: ثورات الربيع العبري: صناعة الفوضى وحصاد الخراب

الكاتب الصحفي محمد العزيزي
في ذكرى 25 يناير 2011 لا تعود الأسئلة فقط حول ما جرى، بل حول من خطّط، ومن موّل، ومن استفاد! فبعد أكثر من عقد ونصف، لم يعد خافيًا أن ما عُرف بثورات الربيع العربي لم يكن سوى حلقة مركزية في مشروع غربي – صهيوني لإعادة تفكيك المنطقة العربية من الداخل وتحويل دولها إلى كيانات ضعيفة أو فاشلة.. عاجزة عن الفعل أو القرار.
بدأت الشرارة في تونس ديسمبر 2010، ثم انتقلت بسرعة مثيرة للريبة إلى مصر واليمن وليبيا وسوريا. لم يكن هذا التزامن محض صدفة، بل نتاج إدارة دقيقة للأزمات، استخدمت فيها أدوات الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، ومنصات التواصل، تحت شعارات براقة عن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان .
لكن السؤال الجوهري: أين كانت هذه القيم حين تم تدمير الدول؟
أين الديمقراطية حين سُحقت ليبيا وتحولت إلى ساحة تتنازعها الميليشيات وتتحكم في قرارها ؟
أين حقوق الإنسان حين أُحرقت سوريا وتحولت إلي شظايا ؟
وأين كان الغرب حين انهار اليمن، وتحوّل شعبه إلى رهينة للجوع والحرب وشبح التقسيم والانفصال ؟
الغرب الذي صدّع رؤوسنا بالديمقراطية كشف وجهه الحقيقي في تعامله الانتقائي مع القضايا الدولية حيث يدعم “ثورات” هنا، ويصمت عن قمع هناك، يفرض عقوبات باسم القيم، ويتجاهل الاحتلال والاستيطان والقتل اليومي في فلسطين.. فالغرب يعاني ازدواجية فجة تؤكد أن القيم ليست سوى أدوات سياسية تُستخدم حين تخدم المصالح ويتم دفنها قسرا حين تعارضها !
الحقيقة أن ما جرى كان ربيعًا عبريًا بامتياز .. الكيان الصهيوني خرج المستفيد الأكبر وحصاد الخراب المُر : دول عربية
مفككة ، جيوش منهكة ، وصراعات داخلية وحروب أهلية أنهكت المجتمعات وأخرجتها من معادلة الصراع مع العدو !
 لم يكن الهدف نشر الديمقراطية، بل إسقاط الدولة الوطنية العربية باعتبارها العائق الأخير أمام مشروع الهيمنة الذي
قطع فيه الكيان شوطا كبيرا !
الاستهداف لم يكن عشوائيًا .. مصر وسوريا واليمن وليبيا دول ذات عمق حضاري وثقل جيوسياسي ، وضربها يعني
كسر العمود الفقري للمنطقة !
 هذا المشروع لم يبدأ في 2011 بل سبقه إعداد طويل منذ الثمانينيات، وبدأ تنفيذه العملي مع غزو العراق للكويت
عام 1990، لتدخل المنطقة بعدها في دوامة فوضى لم تتوقف حتي اليوم!
وسط هذا المشهد القاتم كانت مصر الاستثناء حين اقتربت من حافة السقوط وأدرك الشعب المصري الخطر فاستعاد
دولته بدعم من جيشه الوطني في لحظة فارقة عام 2013 ولم يكن ذلك انقلابًا على حلم كما صوره البعض من
أطراف المؤامرة.. بل إنقاذًا لوطن من مصير الدول المنهارة والفاشلة التي ترعي فيها الميليشيات الممولة .
فهمت مصر درس اللحظة مبكرًا : أن العالم لا يحترم إلا الأقوياء، وأن السيادة لا تُصان بالشعارات، بل ببناء قوة شاملة :
جيش قوي، دولة مؤسسات وقرار وطني مستقل. بينما بقيت دول أخرى أسيرة الوهم تسير في فلك المؤامرة ،
وتدفع الثمن حتى اليوم.
هذا الكلام ليس استدعاءً للماضي ، بل جرس إنذار .
من لم يتعلم من حصاد الربيع العبري، سيظل وقودًا لمشاريع الآخرين
وفي زمن التحولات الكبرى، لا مكان للضعفاء، ولا حماية إلا للدولة القوية الواعية القادرة على قراءة المؤامرة قبل أن
تكتمل فصولها
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.