الكاتب الصحفي عصام عمران يكتب : عيد كل المصريين

الكاتب الصحفي عصام عمران

” وزارة الداخلية تهنئكم بمناسبة عيد الشرطة ال 74 عيد كل المصريين ” .. اسعدتنى هذه الرسالة الجميلة التى وصلتني عبر هاتفى المحمول كونها تعبر فى كلمات معدودة عن حقيقة وواقع نعيشه منذ ٧٤ عاما ،  باعتبار يوم ٢٥ يناير ١٩٥٢ عيدا لكل المصريين على اختلاف انتماءاتهم و فئاتهم وذلك تخليدا لبسالة وتضحيات أبطال الشرطة المصرية في الإسماعيلية دفاعا عن وطنهم ضد الاحتلال البريطاني  .

ففى ذلك التاريخ سطر رجال الشرطة ملحمة الإسماعيلية الأسطورية والتى هى خير مثال على التضحية والفداء من أجل الوطن حين تصدوا لهمجية جنود الاحتلال البريطاني ورفضوا الاستسلام فى مدينة الإسماعيلية، ودفعوا حياتهم ثمنا لتمسكهم  بكرامتهم ووطنهم.

وإن كانت البطولات قد سبقت هذا التاريخ ، بعدما أراد الإنجليز الاستعانة بالشرطة المصرية للقبض على الفدائيين، ولكن رجال مصر لم يكتفوا فقط بالرفض ولكن قاموا باحتضان الفدائيين وتدريبهم ، بل أن اجتماعات الفدائيين كانت تقام داخل أقسام البوليس ، وهو ما جعل المحتل يستشيط غيظا ، وأمر برحيل الشرطة من مدن القناة ، وهذا ليس غريبا على عيون مصر الساهرة الذين كانوا ولايزالون مع اشقائهم من أبطال الجيش الحصن الحصين والسد المنيع لحماية مصر وطنا ومواطنا ضد أى عدوان أو مخاطر .

ففي صباح يوم الجمعة الموافق 25 يناير عام 1952، قام قائد القوات البريطانية بمنطقة القناة “البريجادير أكسهام” باستدعاء ضابط الاتصال المصري مصطفى رفعت وسلمه إنذارا لتسلم قوات الشرطة المصرية بالإسماعيلية أسلحتها للقوات البريطانية، وترحل عن منطقة القناة وتنسحب إلى القاهرة وبإبلاغ فؤاد سراج الدين باشا ، وزير الداخلية فى ذلك الوقت، طلب من الضباط الصمود والمقاومة وعدم الاستسلام.

كانت هذه الحادثة أهم الأسباب فى اندلاع العصيان لدى قوات الشرطة أو التى كان يطلق عليها بلوكات النظام وقتها وهو ما جعل إكسهام وقواته يقومون بمحاصرة المدينة وتقسيمها إلى حى العرب وحى الإفرنج ووضع سلك شائك بين المنطقتين بحيث لا يصل أحد من أبناء المحافظة إلى الحى الراقى مكان إقامة الأجانب.

ليست هذه الأسباب فقط التي أدت لاندلاع المعركة، بل كانت هناك أسباب أخرى منها انه بعد إلغاء معاهدة 36 فى 8 أكتوبر 1951 غضبت بريطانيا غضبا شديدا واعتبرت إلغاء المعاهدة بداية لإشعال الحرب على المصريين ومعه أحكام قبضة المستعمر الإنجليزي على المدن المصرية ومنها مدن القناة والتي كانت مركزا رئيسيا لمعسكرات الإنجليز وبدأت أولى حلقات النضال ضد المستعمر وبدأت المظاهرات العارمة للمطالبة بجلاء الإنجليز.
فى 16 أكتوبر 1951 بدأت أولى شرارة التمرد ضد وجود المستعمر بحرق النافى وهو مستودع تموين وأغذية بحرية للانجليز كان مقره بميدان عرابي وسط مدينة الإسماعيلية، وتم إحراقه بعد مظاهرات من العمال والطلبة والقضاء عليه تماما لترتفع قبضة الإنجليز على أبناء البلد وتزيد الخناق عليهم فقرروا تنظيم جهودهم لمحاربة الانجليز فكانت أحداث 25 يناير 1952.
بدأت المجزرة الوحشية الساعة السابعة صباحا وانطلقت مدافع الميدان من عيار ‏25‏ رطلا ومدافع الدبابات ‏(السنتوريون‏)‏ الضخمة من عيار‏ 100‏ ملليمتر تدك بقنابلها مبنى المحافظة وثكنة بلوكات النظام (مقر قوات الشرطة ) بلا شفقه أو رحمة وبعد أن تقوضت الجدران وسالت الدماء أنهارا، أمر الجنرال إكسهام بوقف الضرب لمدة قصيرة لكى يعلن على رجال الشرطة المحاصرين فى الداخل إنذاره الأخير وهو التسليم والخروج رافعي الأيدي وبدون أسلحتهم وإلا فإن قواته ستستأنف الضرب بأقصى شدة‏.‏
تملكت الدهشة القائد البريطاني المتعجرف حينما جاءه الرد من ضابط شاب صغير الرتبة لكنه متأجج الحماسة والوطنية، وهو النقيب مصطفى رفعت، فقد صرخ فى وجهه فى شجاعة وثبات‏: لن تتسلمونا إلا جثثا هامدة. واستأنف البريطانيون المذبحة الشائنة فانطلقت المدافع وزمجرت الدبابات وأخذت القنابل تنهمر على المباني حتى حولتها إلى أنقاض، بينما تبعثرت فى أركانها الأشلاء وتخضبت أرضها بالدماء‏ الطاهرة. ‏
برغم ذلك الجحيم ظل أبطال الشرطة صامدين فى مواقعهم يقاومون ببنادقهم العتيقة من طراز ‏(لى إنفيلد‏)‏ ضد أقوى المدافع وأحدث الأسلحة البريطانية حتى نفدت ذخيرتهم، وسقط منهم فى المعركة ‏56‏ شهيدا و‏80‏ جريحا، ‏‏ بينما سقط من الضباط البريطانيين ‏13‏ قتيلا و‏12‏ جريحا، وأسر البريطانيون من بقى منهم على قيد الحياة من الضباط والجنود وعلى رأسهم قائدهم اللواء أحمد رائف ولم يفرج عنهم إلا فى فبراير‏ 1952.
لم يستطع الجنرال إكسهام أن يخفى إعجابه بشجاعة المصريين فقال للمقدم شريف العبد ضابط الاتصال‏ لقد قاتل رجال الشرطة المصريون بشرف واستسلموا بشرف، ولذا فإن من واجبنا احترامهم جميعا ضباطا وجنودا، وقام جنود فصيلة بريطانية بأمر من الجنرال إكسهام بأداء التحية العسكرية لطابور رجال الشرطة المصريين عند خروجهم من دار المحافظة ومرورهم أمامهم تكريما لهم وتقديرا لشجاعتهم‏ وحتى تظل بطولات الشهداء من رجال الشرطة المصرية فى معركتهم ضد الاحتلال الإنجليزى ماثلة فى الأذهان ليحفظها ويتغنى بها الكبار والشباب وتعيها ذاكرة الطفل المصري وتحتفى بها.
ومن هذا المنطلق خلدت الدولة المصرية هذه الملحمة بجعل هذا اليوم عيدا للشرطة، حيث أقرته كإجازة رسمية في أول مرة في فبراير 2009 بقرار من الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك باعتباره إجازة رسمية للحكومة والقطاع العام المصري واستمر ذلك حتى يومنا هذا تقديرًا لجهود رجال الشرطة في حفظ الأمن والأمان واستقرار الوطن واعترافًا بتضحيات وبطولات  عيون مصر الساهرة في سبيل ذلك .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.