لمحات من النزعة الرومانسية عند الشاعر محمد الشرقاوي
دراسة أعدها الكاتب عبدالله محمد

يُعرف الشعر الرومانسي بأنه الشعر الذي يُعنى بالمشاعر الإنسانية العميقة، ويركز على الفرد وحالته النفسية، ويعكس الانفعال العاطفي تجاه الحب، الجمال، والطبيعة. ويمتاز هذا النوع من الشعر بالصور الحسّية القوية، واللغة العاطفية الغنية، والقدرة على خلق عالم داخلي نابض بالشعور. كما يعتمد على الرمزية والتصوير الفني لتجسيد الانفعالات، ما يجعل النص الشعري تجربة وجدانية متكاملة للقارئ، إذ يعيش من خلال الكلمات لحظات الفرح، الشوق، الحنين، والانفعال الروحي.
وبرغم اختلاف الأزمنة والمدارس الأدبية، حافظ الشعر الرومانسي على جوهره الأساسي، وهو التعبير عن الحب والجمال والنزعة الإنسانية الصافية، ما جعله دائمًا وسيلة للتعبير عن الذات ومرايا للمشاعر الداخلية. وقد امتاز الشعراء الرومانسيون بقدرتهم على ربط الإنسان بالكون والطبيعة، بحيث تصبح البيئة المحيطة انعكاسًا لمشاعرهم، وتتفاعل العناصر الطبيعية مع الانفعال الداخلي للشاعر، مما يمنح النص بعدًا حسيًا ووجدانيًا غنيًا.
وفي هذا السياق، يبرز الشاعر محمد الشرقاوي كأحد الأصوات المعاصرة التي جمعت بين البراعة الفنية والتعبير الرومانسي الصافي فعلى الرغم من الشهرة الواسعة التي اكتسبها كأحد أبرز رواد أدب الأطفال، وإبداعه في كتابة الشعر الوطني، والديني، وتسليطه الضوء على الهموم الإنسانية، وإتقانه شتى أغراض الشعر عامة، إلا أن البعد الرومانسي في شعره يحتل مكانة متميزة ودالة على قدراته الفنية العالية. إذ لا يقتصر على نوع واحد من التعبير، بل يبرع في توظيف اللغة والصور الشعرية والرمزية بطريقة تجعل القارئ يعيش التجربة الشعورية بكل حواسّه. فالنزعة الرومانسية عنده ليست مجرد مشاعر عابرة، بل فن متقن يعكس فهمًا عميقًا للعاطفة الإنسانية وقدرة استثنائية على صياغتها، فتتحول الكلمات إلى لوحات حسية متكاملة تتناغم فيها الطبيعة والمشاعر والحياة الداخلية للشاعر، ويصبح النص الشعري عنده تجربة وجدانية متكاملة.
وتأتي هذه الدراسة لتسلط الضوء على هذا البعد الرومانسي في شعر الشرقاوي، من خلال تحليل خمس من أبرز قصائده: «سهمٌ لم يُخْطِئ»، و«سر الجمال»، و«أين عنواني؟»، و«همسة عتاب»، و «لا تسألي»، حيث تظهر فيها براعة الشاعر في المزج بين الصور الحسية، واللغة الرفيعة، والرمزية الدقيقة، والبعد الروحاني والفلسفي، لتبرز مدى تمكنه من التعبير عن الحب والعاطفة بأسلوب يختلف عن كتاباته في المجالات الأخرى.
وتعد قصيدة «سهمٌ لم يُخْطِئ» على وجه الخصوص نقطة تحول مهمة، إذ مثلت عودتَه إلى الشعر الرومانسي بعد فترةٍ طويلة من الانقطاع، وأكدت قدرته على التعبير عن الحب والجمال بأسلوب متقن ومتألق، لتصبح نموذجًا غنيًا يمكن من خلاله دراسة جماليات النص الرومانسي عنده، وفهم أسلوبه الفني الفريد. حيث تبدأ القصيدة بوصف المحبوبة على أنها قوة طبيعية فجائية تنبض بالحياة والجمال، فتخطف الأنظار وتبعث النشاط في الكون كله:
لاحت بِسِحرٍ مثلَ ضَوْءِ البرقِ
خَطفَتْ عيونَ الغربِ بعدَ الشرقِ
لاحتْ فأيقظَتْ الحياةَ بنظرةٍ
وغَدَت هناكَ مِساحةٌ للعِشْقِ
وهنا نلاحظ مدى إمكانية الشاعر على تصوير الحب ليس كحالة شعورية داخلية فحسب، بل كظاهرة تؤثر في العالم المحيط، فتصبح الطبيعة مرآةً للعاطفة الإنسانية، وهو ما يميز الشعر الرومانسي الكلاسيكي والمعاصر على حد سواء. ويتضح التأثير العاطفي على النفس الداخلية للشاعر نفسه حين يعكس الحلم الداخلي الذي يتحرك ويتفاعل مع حضور المحبوبة:
نَظَرَتْ فعادَ الحُلمُ يُقْسِمُ قائلًا
حالًا سأخرجُ من حصارِ الطَّوْقِ
ويتوسع النص في إبراز تفاعل الطبيعة مع المحبوبة، مستخدمًا الصور الحسية والاستعارات البديعة لتصوير انسجام الكون مع المشاعر الداخلية:
هَمَسَتْ فجاء الطيرُ يحفظُ حرفَها
والغصنُ يرقصُ من بديعِ النطقِ
وتَبَسَّمَتْ فإذا الجبالُ سعيدةٌ
والصبحُ يدنو صادحًا بالشوقِ
تُظهر هذه الصور قدرة الشاعر على توظيف الطبيعة كامتداد للعاطفة، فالعالم الخارجي يتناغم مع الانفعال الداخلي للشاعر، ويخلق هذا انسجامًا بين الحواس والوجدان، مما يجعل القارئ يعيش التجربة العاطفية بشكل مباشر وحسي. وتستمر القدرة الرومانسية للشرقاوي في تصوير أثر المحبوبة على الروح، حيث تتحول أفعالها البسيطة إلى طاقة تهدئ النفس وتمحو الهموم:
عزَفَتْ على وترِ الشعورِ فأسرعتْ
روحي تُحلِّقُ في رحابِ الصدقِ
مَسَحَتْ بكَفِّ النورِ كُلَّ مواجِعي
فَرأيتُ غيثًا عاد نحو الأُفْقِ
وإذا الهمومُ تَفِرُّ عند قدومِها
والماءُ يُصبِحُ سُكَّرًا في الحلْقِ
وهنا نجد الشاعر يجمع بين الصور الحسية، والرمزية، واللغة الرفيعة لتقديم الحب كقوة حية تتفاعل مع كل عناصر الكون. كما يضيف بعدًا فلسفيًا وروحانيًا حين يربط الحب والنقاء بفضل الله في تنظيم القلوب:
سبحانَ مَنْ جمعَ القلوبَ لِحكمةٍ
لِتَفرَّ مِن غدرِ الورى والفِسقِ
وفي ختام النص، يبرز تفرد المحبوبة وكمالها، ويؤكد على الطابع المثالي للعاطفة قائلا:
كلُّ الجمالِ مدى العصورِ إذا التقَى
يخبو لِيُعلِنَ فوزَها بالسَّبقِ
هيهاتَ أنْ يَجِدَ الفؤادُ مَثيلَها
هِي آيةٌ في الحُسنِ بين الخلقِ
تُظهر هذه الأبيات قدرة الشرقاوي على المزج بين الرومانسية، الجمال الطبيعي، الرمزية الدينية، والبعد الروحي، فتجعل العاطفة قوة كونية تتحرك في النص، وتوظف الصور الشعرية الحسّية والخيال الرمزي لإحياء النص الشعوري، وهو ما يثبت تمكنه الفائق في التعبير عن الحب بأسلوب متقن ومبدع.
كما تعكس قصيدة «سر الجمال» قدرته على صياغة الحب والجمال بأسلوب رقيق وعاطفي متدفق، حيث تتحول المشاعر إلى صور حسية دقيقة وموسيقى شعرية متناغمة. حيث يبدأ النص بتصوير المحبوبة ككائن يبعث الحياة والفرح في كل من حوله، فتتفاعل الطبيعة مع حضوره وتصبح الأزهار والأطيار جزءًا من الانفعال شعوري للشاعر:
تتبسمينَ
فتضحك الأزهارُ
تتمايلينَ
فتعزفُ الأوتارُ
تتحدثينَ برقةٍ وعذوبةٍ
تدنو إليكِ
وترقصُ الأطيارُ
توضح هذه الصور قدرة الشاعر على المزج بين المشهد الطبيعي والعاطفة الإنسانية، فتتحرك الطبيعة كأنها مرآة للانفعال الداخلي، وهو من أبرز خصائص الشعر الرومانسي الذي يربط بين الإنسان والعالم الخارجي بطريقة متناغمة. ويستمر النص في تعزيز بعد الحنين والرغبة في الاقتراب من المحبوبة، حيث يستخدم صورًا تعبيرية لتصوير الحب كقوة خفية متدفقة داخل الروح:
الحبُّ أصلٌ للوجودِ وقِصَةٌ
في ظلِّها تتباعدُ الأخطارُ
والحبُّ أنسامُ الربيعِ إذا بدتْ
والشمسُ في الإشراقِ والأقمارُ
فالحب عنده ليس مجرد شعور شخصي، بل عنصر كوني يرتبط بالنور والجمال والتوازن في الكون، ويمنح القارئ شعورًا بالانسجام بين الذات والعالم. كما يبرز النص بعدًا عاطفيًا صريحًا حين يعبر عن الاشتياق والرغبة في الحفاظ على العلاقة العاطفية رغم العقبات:
مهلًا حبيبي إنَّني
ما عاد لي في العشقِ ذاك قرارُ
فارحم صغيرًا عاشقًا
ساقته نحو جمالِكَ الأقدارُ
إن كان لي حظٌّ لديكَ فلا تخفْ
حتى ولو يبدو هناكَ حصارُ
و هنا يظهر الشرقاوي براعته في تصوير الصراع الداخلي للشاعر المحب، وكيف تتحرك العاطفة في مواجهة القيود الخارجية، مع الحفاظ على الإحساس بالنقاء والوفاء. ويختم النص بتأكيد أن الحب قوة لا تقهر، تتدفق في الدماء وتقاوم الفناء، بما يعكس التعلق العاطفي العميق والولاء الروحي
إنْ لمْ يكنْ
فالحبُّ يجري في دمِي
يأبى الرحيلَ
فكيفَ منه فِرارُ
تُظهر هذه الأبيات قدرة الشاعر على المزج بين الحس العاطفي، والرمزية، والصور الحسية، لتقديم الحب كقوة حية وفاعلة في حياة الإنسان، وتوضح تمكنه الفني في صياغة النصوص الرومانسية بأسلوب راقٍ يمزج بين الموسيقى الشعرية واللغة الرفيعة، ويجعل القارئ يعيش تجربة شعورية متكاملة.
كما تتميز قصيدة «أين عنواني؟» بعمق الإحساس العاطفي وشدة الحنين، حيث يعكس الشاعر تجربة وجدانية متقلبة بين الاشتياق والأمل والخوف من الفقد. يبدأ النص بصورة مباشرة للمحبوبة، التي تصبح مركز العالم الداخلي للشاعر، فتتحول العاطفة إلى قوة تحرك كل ما حوله:
يا ربَّة الحسنِ ذاك الحسنُ ناداني
أمسى خليلي وأحلامي وأوطاني
حيث يظهر هنا استخدام الشرقاوي للخطاب المباشر كمحور شعوري، حيث تصبح المحبوبة صانعة للتجربة الشعورية، ويبرز الحنين الذي يربط بين الذات، والحب، والأرض. ويتضح هذا التأثير في تصوير الحركة الروحية للشاعر، الذي يحتضن العاطفة وسط الأمكنة والذكريات:
أسكنتُهُ في فؤادٍ عاشَ مرتحلًا
يطوي البلادَ ينادي أينَ عنواني
وتتسم النصوص في هذه القصيدة بالبلاغة التصويرية والتصعيد الدرامي، حيث يمتزج الحب بالمسؤولية العاطفية والاهتمام بالمحافظة على الوفاء والصدق:
هلَّا نظرتِ بإشفاقٍ وإحسانِ
هلَّا سمعتِ لشدوِ النايِ في أرقٍ
أو بوحِ عودٍ يواسي بعضَ أحزاني
وتظهر أيضًا الرمزية الدقيقة في الأوصاف، مثل الربط بين ضوء المحبوبة والكون في قوله:
إنِّي هجرتُ قلوبًا بالهوى جحدتْ
لم تدركْ الحبَّ في أعماقِ إنسانِ
فتجعل الصور الشعرية العاطفة تتجاوز حدود الفرد إلى تجربة إنسانية كونية، إذ يعكس الشاعر في طيات النص تفاعل القلب مع العالم من حوله، والموازنة بين الشوق والاعتدال في التعبير عن المشاعر. كما يبرز النص صراع الذات بين الرغبة في الحب والقدرة على الانتظار والصبر:
إنْ عاد قلبُك نحو الحبِّ فانتظري
فيضَ السعادةِ يبقى بين أحضاني
فمن خلال هذا الأسلوب، تبدو القدرة الفائقة للشاعر على تقديم الحب كشعور حيّ، له أبعاد نفسية وروحية، ويستخدم الإيقاع الداخلي، والتكرار الرمزي، لتوليد تأثير شعوري قوي لدى القارئ، ما يجعل النص تجربة وجدانية متكاملة ومؤثرة.
كما تتسم قصيدة «همسة عتاب» بلغة عاطفية صافية، تجمع بين الحنين والرغبة في التعبير عن مشاعر الشوق، وبين العتاب الرقيق الذي يبرز قرب العلاقة الإنسانية وقوة الانفعال. يبدأ النص بصورة شاعرية تجمع بين القلب والعاطفة والذكريات، حيث يتحرك الشاعر بين الحنين والعتاب:
ليَ في حنايا القلبِ قصةُ باكي
يمضي بلا آهٍٍ على الأشواكِ
يتجرعُ الآلامَ في صمتٍ ولا
يسعى إلى عيشٍ بغيرِ هواكِ
وهنا يبرز استخدام شاعرنا للتصوير النفسي الداخلي، حيث تتحول الأحاسيس إلى صور حيّة، تجعل القارئ يعيش الانفعال الشعوري بكل تفاصيله. كما تدمج القصيدة بين الصوت الداخلي للشاعر والصوت الخارجي للعالم الطبيعي، فيخلق إحساسًا بالانسجام بين المشاعر والبيئة المحيطة:
يا درةَ الأكوانِ يا تاجَ العُلا
يا قبلةَ العشاقِ والنُّسَّاكِ
يا دوحةَ الأطيارِ تعلو شمسُها
فتنيرُ كُلَّ جوانبِ الأفلاكِ
و تظهر الرمزية بوضوح في تصوير المحبوبة كضوء يضيء الكون، وكمعيار للجمال والوفاء، فتتجسد العلاقة العاطفية كقوة كونية مؤثرة. ويستمر النص في إبراز التوازن بين الحب والوفاء، والحرص على حماية العلاقة من الفقد والهجر:
فالحبُّ عندي إنْ سكنتِ بخافقي،
حتى وإنْ جفَّتْ غصونُ رضاكِ
لا تقتلي العشاقَ هجرًا إنهم
باعوا النفوسَ لكي يُصانَ عُلاكِ
كما يستخدم الشرقاوي الموسيقى الداخلية للنص، من خلال تكرار الصور والرموز، ليضفي على العاطفة بعدًا موسيقيًا متدفقًا، يجعل القارئ يعيش نبض القلب والانفعال المستمر، ويشعر بمدى صعوبة الحفاظ على الوفاء والحب الحقيقي في مواجهة الزمن والبعد. تتجلى براعة الشرقاوي في المزج بين العاطفة والرمزية، والصور الحسية، واللغة الرقيقة، ليخرج النص تجربة وجدانية متكاملة، حيث لا يقف الحب عند حدود الذات، بل يتجاوزها ليصبح حالة شاملة من الاشتياق، والتقدير، والوفاء، والاعتراف بقيمة العلاقة الإنسانية.
كما تتميز قصيدة «لا تسألي» بالجرس العاطفي الرقيق، والعمق النفسي في التعبير عن الحب، حيث تظهر قدرة الشاعر على تصوير الانفعال الداخلي بأسلوب متدفق وموسيقي. يبدأ النص بتوجيه خطاب مباشر إلى المحبوبة، مع إبراز حرية المشاعر وقوتها، وصراع الذات بين العقل والقلب ومنها نقرأ:
لا تسألي
عمن تجولُ بخاطري
وتعاملي بالرفقِ نحو مشاعري
قلبي وليدْ
عقلي عنيدْ
إنْ شِئتِ أنْ تتجبري
عشقَ المزيدْ
تظهر هنا لعبة التناقض بين العقل والعاطفة، ما يمنح النص ثقلًا نفسيًا وعمقًا وجدانيًا، ويجعل القارئ يشعر بمساحة الصراع الداخلي التي يعيشها الشاعر. كما يستخدم الصور الحسية والرمزية لتوضيح تأثير المحبوبة على كل ما حوله، حيث يتحرك الحب في النص كسريان طبيعي وقوة كونية حين يقول:
فالذنبُ ذنبُ عيونِها
قمرانِ في ليلٍ طويلْ
بحرانِ وامتنعَ الدليلْ
أمَّا القوامُ
فكلُّ شعرٍ يختفي عند الظهورْ
والأرضُ تطرحُ بهجةً فوقَ الزهورْ
فهنا تعكس هذه الصور الإحساس بالدهشة والانبهار بجمال المحبوبة، كما تمنح النص موسيقى داخلية تتفاعل مع المعنى العاطفي، ليصبح الحب تجربة شاملة لكل الحواس. ويستمر النص في تأكيد القوة الإيجابية للانفعال العاطفي، وتحويله إلى فعل إبداعي، حيث يشجع على التعبير والرسم والكتابة، كأن العاطفة نفسها تلهم الشاعر للخلق:
هيَّا اكتبي فصلًا جديدْ
هيا ارسمي فجرًا وعيدْ
بالحبِّ يدنو كلُّ محبوبٍ بعيدْ
ويختم النص بتأكيد استقلال الحب واستمراريته رغم العوائق، مع ترك الحرية للمحبوبة في التفاعل مع المشاعر:
فتفاءلي
وتهللي بنصيحتي،
محبوبتي،
لا تسألي لا تسألي
تُظهر هذه الأبيات براعة الشاعر في الجمع بين الرمزية والصور الحسية، واللغة العاطفية الصافية، مما يجعل النص تجربة وجدانية متكاملة، حيث يعيش القارئ الانفعال النفسي بكل تفاصيله، ويشعر بعمق الحب الذي لا يمكن كبحه أو حصره، ويبرز النص التمكن الفني في التعبير عن العاطفة الإنسانية بأسلوب راقٍ وفني.
وبعد،،
فإنه يتضح من تحليل القصائد السابقة أن الشاعر محمد الشرقاوي استطاع أن يجسد الرومانسية بجوانبها المختلفة بأسلوب متقن ومتميز، يجمع بين العاطفة الصافية، الرمزية الشعرية، الصور الحسية، والموسيقى الداخلية للنص. في قصيدة «سهمٌ لم يُخطئ»، ظهر الحب كقوة كونية متدفقة، تؤثر على الطبيعة والخيال، وتمنح النص بعدًا بصريًا ووجدانيًا، بينما في «سر الجمال» اتسع الطيف العاطفي ليشمل الجمال والوفاء والصراع الداخلي مع القيود، في حين ركزت «أين عنواني؟» على الاشتياق والحنين، وتصوير المحبوبة كضوء يربط القلب بالكون. وفي «همسة عتاب»، برزت قدرة الشاعر على المزج بين العتاب الرقيق والوفاء، بحيث تصبح المشاعر وسيلة للتواصل العاطفي الصادق، فيما جسدت «لا تسألي» الصراع بين العقل والقلب، وأكدت استمرار الحب وقوة الانفعال رغم العوائق، مع الحفاظ على حرية التعبير وصدق المشاعر. يتضح من خلال هذه النصوص أن الرومانسية عنده ليست مجرد شعور عابر، بل تجربة متكاملة تشمل الوجدان، الجمال الطبيعي، الموسيقى الداخلية للكلمات، والرمزية العميقة. وهو بهذا يثبت أن لديه تمكنًا فنيًا عاليًا يسمح له بالتنقل بين أصناف الشعر المختلفة دون أن يفقد القوة التعبيرية أو الرونق الجمالي، سواء في شعر الأطفال، الوطن، الدين، أو المواضيع الإنسانية، ليظل شاعرًا قادرًا على إبراز الجوانب العاطفية بأعلى درجات الإبداع والمهارة. وبذلك يمكن القول إن الدراسة أظهرت أن الشرقاوي شاعر رومانسي متقن، يمتلك قدرة فريدة على إحياء العاطفة وتجسيدها في صور شعرية متكاملة، تجعل القارئ يعيش الحب بكل أبعاده النفسية والجمالية والروحية، مؤكدة مكانته البارزة في المشهد الشعري المعاصر.