الكاتب الصحفي عصام عمران يكتب : احترام الأقوياء  !!

الكاتب الصحفي عصام عمران

وسط صقيع جليد سويسرا وبرودة مرتفعات جبال الألب الساحرة، كان  اللقاء السياسي الأهم بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب وذلك على هامش اجتماعات المنتدى الإقتصادى العالمى بمدينة  دافوس  السويسرية  ، اللقاء  كان واضحا وصريحا ومباشرا ، ولم يقتصر على صورة او لقطة  تذكارية والسلام ولا مجاملات بروتوكولية فارغة ، في مشهد يؤكد باختصار أن مصر باتت تمسك خيوط لعبة معقدة بهدوء وثبات ومن غير صدام ولا استعراض.

جميعنا لاحظ ان ترامب الذى يتعامل بصلف مع  معظم الرؤساء والقادة  ولن أبالغ إذا قلت إهانتهم ، ترامب الذى أجلس زعماء أوروبا أمامه مثل التلاميذ فى حضرة ناظر المدرسة ، تجده تغير 180درجة ونبرته هدأت  عندما يلتقى الرئيس السيسي ، بل ووصفه بالرجل العظيم والقائد العظيم،  مؤكدا أنه واحد من الركائز الأساسية التي  تعتمد عليها أمريكا  لنشر السلام في الشرق الأوسط، خصوصا في ملف غزة.

ورغم زحمة القادة في دافوس، نجد الكيمياء بين الزعيمين واضحة دون أى  كلام وهو ما أكده أكثر من مرة مشيرا إلى تقديره للرئيس السيسي منذ أول لقاء جمعهما إبان ترشيحه للانتخابات فى ولايته الأولى .

اللقاء تم بدون عنجهية ترامب المعتادة، من غير تهديد ولا غطرسة ولا استعلاء ولا استعراض قوة ، والرئيس السيسي من ناحيته قدم له التهنئة على نجاحه في ملف غزة  ، وكذلك قدم له الشكر  على اهتمامه بالدخول للوساطة في ملف سد النهضة ، وترامب بدوره أبدى تقديرا كبيرا لدور مصر في اتفاق غزة ودورها المستمر في تثبيت استقرار المنطقة ، وهذا في حد ذاته مكسب كبير في مواجهة رئيس معروف أنه لا أحد يسلم من لسانه لا أمام الكاميرات ولا خلفها !! .

السؤال الذى يتكرر دائما وعقب كل لقاء بينهما ، لماذا يتغير ترامب هكذا مع الرئيس السيسي ؟

، رغم ان الرئيس السيسي هو الزعيم الوحيد في العالم الذى قال ” لا ” لترامب  فى مواقف كثيرة لعل أهمها رفض

التهجير القسري للفلسطينيين من أرضهم سواء إلى مصر والأردن أو حتى إلى دول أخرى ؟!

الإجابة على هذا السؤال  تتلخص في حقيقة واحدة ان ترامب يرى أمامه رئيسا قويا و مستقلا ،وترامب لا يحترم إلا

الأقوياء ، وكذلك لأن الرئيس السيسي قائد شريف في زمن عز فيه الشرف ولا أحد “ماسك عليه حاجة كده ولا كده”

، وفوق هذا كله لأن علاقة مصر بأمريكا علاقة عسكرية بالأساس وليست سياسية مثل أغلب الدول ، ومن هذا

المنطلق فإن ملف مصر يديره البنتاجون وليست الخارجية الأمريكية ولا حتى البيت الأبيض مثل باقي دول العالم ،

ونفس الفكرة مع روسيا مع اختلاف التفاصيل ، وهذا لأن مصر دولة مفصلية عسكريا وأمنيا في المنطقة ، لذلك فإن

الرئيس السيسي من القلة النادرة من قادة العالم الذين يدخلون مراكز القيادة في البنتاجون وغرفة العمليات المركزية

في وزارة الدفاع الروسية ، وهذه كلها أمور خارج بروتوكولات تلك الأماكن والأجهزة السيادية  ، و هو اعتراف منهم بدور

وتأثير مصر الاستثنائي .

الأمر الآخر الذى يجهله أو يغفل عنه الكثيرون أنه لا توجد قوة كبيرة تستطيع تحرك بيدق في الشرق الأوسط دون

مراعاة وحساب لموقف مصر و ردود فعلها، ليس لأن مصر تلوح بالسلاح، لكن لأن مصر تمسك مفاتيح المنطقة

لوجستيا واستخباراتيا وأمنيا وعسكريا ، صحيح أن هذه السيطرة ليست دائما ظاهرة للعين المجردة بالنسبة للكثرين

من العامة ، لكنها موجودة ومحسوسة وفاعلة، وصحيح ان هذا الوضع ضعف بعض الشيء في فترات سابقة لكنه الآن

في أقوى حالاته ، كل تحرك كبير حدث في المنطقة تم بموافقة مصر أو بعد حساب دقيق لموقفها و رد فعلها .

من هذا المنطلق فإن الرئيس السيسي من القلة من زعماء العالم الذين قالوا في  مواقف عديدة  لأمريكا  “لأ”

وبشكل علني ، وذلك بفضل من الله ثم سيطرة وتوغل مصر في المنطقة ، لأن النفوذ المصري في محيطها أعمق

بكتير مما  يتخيله البعض ، وهذه جذور ممتدة ومتشابكة وتحكم مباشر وغير مباشر في ملفات مصيرية بشكل لا أحد

يتخيله  ، هذه القوة لا تتحرك إلا وقت وجود خطر حقيقي  يهدد أمننا القومي .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.