الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب: الهجوم الأمريكى على إيران.. إلغاء أم إرجاء؟!

الكاتب الصحفي عبد الرازق توفيق

هل حماية المتظاهرين والمحتجين فى أى دولة، سبب كاف أو شرعى للتدخل العسكرى ضد هذه الدولة؟!.. هل كانت الضربات الأمريكية التى توقعها البعض مبرراً أو ذريعة تستند إلى قانون دولى لشن هجوم على إيران؟!.. وهل المظاهرات الإيرانية تمت هندستها وتفجيرها وإدارتها بفعل فاعل؟!.. وهل لم تنجح بالقدر المطلوب والمُخطط حتى تُسّهل مهمة الإجهاز على النظام الإيرانى من قبل أمريكا؟!.. وهل ألغت واشنطن الضربات العسكرية لطهران، التى وعدت بها، أم انها تأهبت، أم لم تكن هناك ضربة فى الأساس، ولكنها حماية سياسة حافة الهاوية وإدارة حرب نفسية لإنجاح مخطط فوضى الداخل الإيراني؟!.. وما أسباب كل هذه الاحتمالات، خاصة إلغاء الهجوم الأمريكي؟!.. هل كانت بسبب ضغوط إقليمية من دول المنطقة، التى رأت أن الهجوم الأمريكى على إيران سيأتى بعواقب وخيمة على الأمن والاستقرار الإقليمى وسيضر بدول المنطقة، وله تداعياته الخطيرة على الاقتصاد العالمي؟!.. هل خشيت أمريكا وإسرائيل من رد الفعـل الإيراني، الذى ستكون أهــدافه تل أبيب والقواعد الأمريكية، خاصة أن النظام الإيرانى ومؤسساته لم تفقد السيطرة سواء على الأسلحة ومنظومات الصواريخ، أوحتى إدارة الدولة، وأن هناك تراجعاً فى الاحتجاجات بعد القبض على المئات، وأن هناك مخططاً ودعماً إسرائيلياً- أمريكياً لم ينجح بالشكل المطلوب وتم تحجيمه؟!.. ثم هل كانت نوايا أمريكا جادة فى استهداف إيران، أم أن الضغوط التى مارستها إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو من أجل الهجوم على إيران، ثم جاءت تقديرات مساعدى ترامب لتلغى أو تؤجل الضربات العسكرية ضد إيران؟!.. وهناك تصريحات تشير إلى أن نتنياهو طلب من الرئيس ترامب إرجاء الهجوم، خاصة أن النظام الإيرانى مازال ممسكاً بزمام الأمور، ويستطيع أن يستهدف إسرائيل بمئات الصواريخ والمسيرات، التى قد تكون بشكل أكثر من حرب الـ 12 يوماً خلال الأشهر الماضية.

العالم تصدى لمغامرات الرئيس ترامب، وما أعلنه من استهداف إيران والتدخل فيها، بذريعة إعدام النظام للمتظاهرين.. دول المنطقة، خاصة القوى الكبرى أعلنت رفضها توجيه ضربات لطهران ووضعت الأسباب أمام الرئيس ترامب.. فرنسا على لسان إيمانويل ماكرون قالت: أن الولايات المتحدة الأمريكية ليس من حقها التدخل أوتوجيه ضربات عسكرية ضد دولة ذات سيادة وهو عمل غير شرعى وغير قانونى وأن الحوار والحلول السياسية هى الخيار الأفضل.. والحقيقة نحن أمام سياسات أمريكية خطيرة.. فمع الساعات الأولى من العام الجديد استيقظ العالم على هجوم أمريكى على «فنزويلا» واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، ثم التهديد المباشر لدولة أخرى مثل كولومبيا ورئيسها.. وبات العالم فى حالة من عدم الثقة والترقب، فى ظل التهور الأمريكى وممارسة القوة فى النزاعات والخلافات.. وذهب البعض بالقول إن العالم بات يعيش بلا قانون أونظام دولى.. لكن السؤال: ماذا تريد واشنطن من إيران وأهدافها؟!، وهل تراجعت عن ضربها؟!

من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية تنتهج سياسات تستهدف تغيير الأنظمة المناوئة لهيمنتها ونفوذها.. وتسعى من خلال هذا الهدف إلى استخدام سيناريوهات مختلفة لتنفيذ ذلك التغيير.. تأتى الحلول العسكرية الخشنة فى مؤخرة هذه السيناريوهات.. وتسعى لصناعة أنظمة موالية بديلة لتلك المناوئة لها، لضمان السيطرة على الموارد والثروات والممرات البحرية الإستراتيجية فى العالم والمنطقة، وقطع الطريق على النفوذ والصعود الصينى وضرب التحالفات والمشروعات الصينية أوالروسية التى تتنامى فى العالم.. ولعل ما حدث فى فنزويلا وتهديدات الرئيس ترامب بالسيطرة على جزيرة «جرين لاند»، ثم استهداف وتهديد إيران بعمل عسكرى يسبقه تفجير الداخل عبر هندسة الفوضى لإضعاف أو إسقاط النظام الإيرانى الحالي.. وهو ما بدا صعباً فى ظل إمساك النظام فى طهران بزمام الأمور وامتلاكه أوراقاً تهدد مصالح وحلفاء أمريكا فى المنطقة وأيضا تستهدف العمق الإسرائيلي.. وكل هذه الأوراق إضافة إلى الضغط الإقليمي، خاصة الدول الكبرى فى المنطقة أو تلك التى تحتضن قواعد أمريكية داخل أراضيها تجعل الحسابات الأمريكية مترددة أو مؤجلة، أو حتى غير مطروحة فى الوقت الحالي.. فى ظل هذه الأسباب مضافاً إليها الدعم الصيني- الروسى لطهران، وإن بدا ليس من الأسباب الرئيسية، بعد تجارب ماضية لم تجد إيران الدعم الكاف من بكين وموسكو المنشغلة بحربها مع أوكرانيا.

لا شك أن إسقاط النظام الإيرانى وإشاعة الفوضى فى إيران، له تداعيات كارثية على المنطقة والشرق الأوسط والاقتصاد العالمي، أبرزها زعزعة الأمن والاستقرار الإقليمى وخلق حالة من الفراغ فى إيران والمنطقة، سيؤدى إلى تنامى نشاط الميليشيات والكيانات المسلحة وأذرع إيران فى المنطقة، وسيؤثر على أمن وسلامة الممرات البحرية الإستراتيجية فى الشرق الأوسط، التى ترتبط بالاقتصاد العالمى وتحدث تأثيرات خطيرة، بل وهناك مخاوف من استهداف المصالح والأهداف الامريكية.. ومن أهم الدول التى ترفض توجيه ضربات عسكرية لإيران أو حتى التدخل العنيف فى شئونها الداخلية هى أوروبا، خاصة تصريحات الرئيس ماكرون الذى فضّل الحوار والحلول السياسية، وهو ما أكده الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى اتصاله برئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو.

يظل إسقاط النظام الإيرانى الحالى هدفاً أمريكياً صعباً على المدى القريب نظراً لفشل الرهان على إسقاطه من الداخل، من خلال الفوضى والاحتجاجات والحصار الاقتصادي، وما لدى طهران من بنك أهداف إقليمى قادرة على الوصول إليها، وموقف إقليمى ودولى رافض للتدخل العسكرى الامريكي.. ربما تكون الأهداف الأكثر سهولة هى تحييد وقطع الأذرع الإيرانية فى المنطقة، فى لبنان وسوريا والعراق.

لا شك أن النظام الإيرانى الحالى يواجه إشكاليات وتحديات ومعضلات خطيرة فى الداخل، نظراً لتدهور الظروف الاقتصادية وانهيار العملة الإيرانية وارتفاع التضخم إلى مستويات تجعل حياة المواطن الإيرانى شديدة الصعوبة.

تحيا مصر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.