الإعلامي محمود عبد السلام يكتب : الحاكم والمؤرخ

توفي عبد الرحمن الجبرتي عام 1825، مات حزنًا وكمدًا بعد أن ابيضت عيناه على موت ابنه. كان الجبرتي يزن تصرفات الحاكم والحكم عليه بميزان الإيمان الدقيق، كان يرى أن الحاكم هو المسؤول الأول عن الرعية، وإقامة العدل، ونشر الرحمة بين الناس، ومصالح الأمة مقدمة على مصالح الحاكم. ولم يتورع الجبرتي عن نقد تصرفات محمد علي في الحكم، فكان لا يقيم وزنًا إلا للحق والحقيقة، ولم ترهبه وسائل القمع.
وكتب مستنكرًا مذبحة القلعة، واعتبر أن محمد علي قتل نفسًا بغير حق، وأن الذين قتلوا
مسلمون دمهم محرم ماداموا لم يرتكبوا أفعالًا يستحقوا عليها الموت.
عاصر عبد الرحمن الجبرتي صعود نجم محمد علي منذ البداية، رآه وهو يقف على أعتاب الإشراف وهو ما زال جنديًا،
ثم وهو يتملق مشايخ الأزهر، ثم رآه وهو يتلقى الأمانة من السيد عمر مكرم، ثم رآه وهو ينقلب ويتنكر للجميع
وينفي السيد عمر مكرم لدمياط.
لم يكن الجبرتي يستطيع أن يساير محمد علي في طغيانه، لأن ذلك يتعارض مع خلقه القويم. وبعد أن رأى شراهة
محمد علي في جمع الأموال وفرض الضرائب ومصادرة الأملاك والأراضي الزراعية، وتقريب الأراذل والسفلة منه، كتب
يقول: إن ولي الأمر اعتدى على مساكن الناس وأغلق البيوت المفتوحة لأن في طبعه داء الحقد والطمع والتطلع إلى
ما في أيدي الناس.
ثم كتب بعد ذلك عن تقريب محمد علي للمنافقين الذين لا يخالفون له رأيًا. هكذا كتب عبد الرحمن الجبرتي رأيه بكل
صراحة دون خوف أو طمعًا في منصب أو تقربًا من الحاكم، حتى لو اختلفنا مع الجبرتي كمؤرخ لأن الحياة لم تمتد به
ليشاهد بعينه ثمار المشاريع التي أقامها محمد علي، لكن يكفيه فخرًا وعزًا أنه قال ما اقتنع به عقله وتوافق مع
أخلاقه ودينه ومبادئه.
صحيح أنه دفع الثمن غاليًا، حين قرر محمد علي أن يصيبه في فلذة كبده، فأمر باغتيال خليل ابن الجبرتي، فقتل وهو
يتنزه في شبرا، وظل الجبرتي يبكيه حتى ابيضت عيناه ومات حزينًا محسورًا عليه عام 1825.