محمد يوسف العزيزي يكتب : قانون القوة يحكم العالم… والسيادة يتم اختطافها  !

الكاتب الصحفي محمد العزيزي

لم يعد العالم يُدار بقواعد أو مواثيق، ولم تعد السيادة الوطنية خطًا أحمر، بل تحوّل النظام الدولي إلى ساحة مفتوحة تحكمها شريعة الغاب، حيث ينتصر” قانون القوة ” كل يوم على ” قوة القانون “في بلطجة سياسية يتم ممارستها علنًا دون خجل أو مساءلة!

واقعة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو – رئيس دولة مستقلة وعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة – ليست واقعة معزولة، ولا خطأً سياسيًا عابرًا.. بل جريمة مكتملة الأركان تكشف حقيقة ما آلت إليه العلاقات الدولية.. إنها رسالة حادة تقول بوضوح: لا حصانة لرئيس، ولا احترام لدولة، ولا قيمة لعضوية أممية، إن تعارضت مع مصالح القوة المهيمنة!

هذه الواقعة تُسقط القناع نهائيًا عن المنظمات الدولية التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لحفظ الأمن والسلم الدوليين.. فقد فقدت الأمم المتحدة بكل مجالسها وهيئاتها قدرتها على حل النزاعات أو فرض القانون الدولي الذي صاغته الدول نفسها، وبات وجودها أقرب إلى ديكور سياسي فاقد للوظيفة!

الأخطر من ذلك أن القانون الدولي الإنساني الذي وُضع لحماية المدنيين وقت الحروب، أصبح خاضعًا للانتقائية السياسية، فهو يُطبق على الضعفاء ويُعطل أمام جرائم الكبار، خصوصًا حين تكون الولايات المتحدة أو حلفاؤها طرفًا في المشهد!

أما المحكمة الجنائية الدولية فقد تلقت ضربة قاصمة لهيبتها بعدما تحولت من أداة للعدالة الدولية إلى كيان عاجزعن تنفيذ أحكامه، ينتقي المتهمين وفق موازين القوة، لا وفق ميزان العدالة.. وهكذا سقطت فكرة العدالة الدولية وحلّ محلها منطق الإفلات من العقاب بقانون القوة

وفي المشهد الإقليمي، لا تختلف الصورة كثيرًا، فالاتحاد الإفريقي يقف عاجزًا أمام حروب السودان وإثيوبيا وليبيا، وأمام نزيف دول الساحل والصحراء، بينما يتم نهب ثروات القارة الإفريقية من بترول ومعادن لصالح الغرب، دون ردع أو موقف حقيقي!
وجامعة الدول العربية التي يُفترض أنها مظلة العمل العربي المشترك غابت عن أزمات وجودية تمس الأمن القومي العربي في غزة والضفة الغربية واليمن وليبيا ولبنان وسوريا، التي تُقسم أراضيها علنًا بين قوى إقليمية وغربية وكأنها غنائم حرب !

أما منظمات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، فقد سقطت أخلاقيًا قبل أن تسقط سياسيًا بعجزها أمام ما يحدث في غزة من قتل وتجويع وإبادة بطيئة تطال الأطفال قبل الكبار في واحدة من أبشع الجرائم الجماعية في العصر الحديث، يجري ارتكابها تحت سمع وبصر العالم.. !

كل ذلك يؤكد حقيقة واحدة لا تقبل الجدل هي أن قوة القانون لم تعد قادرة على إنفاذ نفسها، بعد أن تم أُقصاؤها لصالح قانون القوة الذي يسمح لدولة كبرى باختطاف رئيس دولة ومحاكمته خارج بلاده والاستيلاء على ثروات دول ذات سيادة في انتهاك صارخ وفجّ لكل قواعد القانون الدولي التي تم دهسها بلا مواربة!

وفي قلب هذا المشهد الدولي المرتبك تبرز قيمة الدولة الوطنية القادرة، وهو ما يمنح التجربة المصرية دلالة خاصة.. فمصر التي واجهت خلال العقد الأخير أخطر محاولات التفكيك والانهيار أدركت مبكرًا أن الرهان على الخارج أكذوبة ووهم، وأن حماية الدولة لا تتحقق بالشعارات أو بالتعويل على القانون الدولي وحده، بل ببناء قوة شاملة.. دولة بمؤسسات متماسكة، وجيش وطني قوي، وأجهزة قادرة على فرض الاستقرار، ورؤية سياسية لا تسمح بانزلاق البلاد إلى مصير الدول التي سقطت تحت لافتات زائفة.

وما جرى ويجري في محيطها الإقليمي أكد أن الحفاظ على الدولة الوطنية ليس ترفًا سياسيًا بل معركة وجود، وأن من ينجح في عبور لحظة الانهيار إنما يفعل ذلك حين يختار الاعتماد على ذاته وليس انتظار حماية لا تأتي، وإن أتت تكون بثمن باهظ يخترق السيادة بعمق!

إن النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية قد وصل إلى مرحلة الشيخوخة السياسية، ولم يعد صالحًا لإدارة عالم شديد الاضطراب، ونتيجة لذلك يتجه العالم نحو مزيد من الاستقطاب الحاد، وانهيار التحالفات التقليدية، وظهور تكتلات جديدة قد تُشعل صراعات أوسع، وربما حروبًا كبرى!

الدرس الأهم من واقعة فنزويلا – بعيدًا عن أي تقييم لطبيعة النظام هناك – هو أن الدولة التي لا تملك قوة شاملة تحمي سيادتها، ستتحول عاجلًا أو آجلًا إلى ساحة مستباحة لأن الدول الكبرى لا تحمي أحدًا، ولا تفي بوعود، ولا تتحرك إلا بمنطق المصلحة البحتة، وتجربة المنطقة العربية تقدم الدليل القاسي على ذلك!

فالدولة التي تسقط لا تعود خاصة حين يكون السقوط نتيجة تفكك داخلي وحروب أهلية ، وصراعات على السلطة تُدار من الخارج وتُموَّل من قوى لا ترى في الأوطان سوى أنها أدوات وممرات وثروات !

الخلاصة .. في عالم تحكمه القوة لا مكان للضعفاء، ولا حماية لمن يراهن على القانون وحده .. إما أن تمتلك الدولة أسباب القوة.. أو تجد نفسها خارج التاريخ!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.