تقول جولدا مائير عن يوم كيبور :”لكن هذا اليوم بالطبع كان اليوم الوحيد الذى خذلتنا فيه قدرتنا الأسطورية على التعبئة”.. بعد أن عادت جولدا من النمسا وكانت وجهتها لاوربا التى أقبلت منها منكفأة على معلومات استخباراتية – غير مؤكدة – تشى بتحركات عدائية فى الجبهتين الشمالية (سوريا) والجنوبية (مصر) لكن خلال اجتماع الاربعاء والثانى يوم الخميس والثالث يوم الجمعة والرابع صباح يوم كيبور كانت تأكيدات وزير جيش الدفاع بعدم قدرة المصريين على تهديد دولة الكيان، وفى افضل الاحوال انهم يملكون القدرة على الإنذار المبكر والذى يعطى الفرصة لاستدعاء الاحتياطى من القوات، بل ان تقارير اجهزة الاستخبارات المتعاونة (سى اى ايه) بل والتسريبات من (الكى جى بيه) كانتا معا تؤكدان وجهة نظر موشيه دايان، والأغرب انه على الرغم من رغبة رئيس الأركان ديفيد اليعازر من استنفار القوات الجوية وفرقتين مدرعتين لمواجهة أية احتمالات متوقع حدوثها نتيجة شكوك جولدا مائير من هجوم مصرى وشيك، إلا أن وزيره (موشيه دايان) قد عارضه واكتفى بفرقة واحدة من المدرعات، واكد لجولدا مائير انه لن يحدث شىء، وبالغ فى كبرياءه وقال :”المصريون جثة هامدة”.
كان الجميع من حول جولدا يطمئنوها من عدم حدوث هجوم مصرى، وبالنظرة الاقتصادية هم ايضا حذروها من مغبة التكلفة المالية نظير النفير العام، والذى دائما ما تتكبده دولة الاحتلال وفى المقابل لا يحدث شىء يذكر على الجبهة المصرية لاسيما من بعض التمرينات لعدد من التشكيلات المصرية ( المناورات ) التى لا هدف منها سوى تخدير الراى العام الداخلى(!).
فضلا عن ان اليهود لهم من الطقوس الدينية فى يوم كيبور ما يلزمهم بالسكون التام وحتى لغير المتدينين منهم، وربما استدعاء الاحتياط فى هذا اليوم ما يكسر حاجز الثقة بين الشعب وحكومته، فضلا عن تكدير المزاج العام بحرمانهم من ممارسة طقوس عيدهم بسبب الاستنفار (غير المبرر) من وجهة نظر العسكريين والأمنيين والاقتصاديين بل وأحزاب اليمين المتطرف(!).
الى هذا الحد استطاع المصريون التلاعب بمنطق العقول الحاكمة لدولة الاحتلال.
لكنها جولدا تعلن بعد اجتماع الساعة السابعة من صباح السادس من اكتوبر والذى تأخر فيه حضور المجلس الوزارى (مجلس حرب) للبدء فى الثامنة صباحا، لكنها جولدا تعترف انها أبلغت سكرتيرها العسكرى ان يجمع وزراء مجلس الحرب فى الثانية عشر ظهر يوم السادس من اكتوبر ليكون هو الاجتماع الثانى فى يوم واحد – يوم الحرب-
لكن على الرغم من تطمينات موشيه دايان إلا أن رئيس اركان جيش الدفاع قال:”أريدكم ان تعلموا ان سلاح الطيران قادر على تنفيذ ضربة إجهاضية عند الظهر، لكن عليكم ان تضيئوا لى الضوء الاخضر الان” إلا ان جولدا نفسها كان لها راى معارض للضربة الوقائية الجوية ، فقالت:”يا دادو اعرف كل مبررات الضربة الوقائية، لكننى ضدها” وتستكمل اعتمادا على الدعم الامريكى لدولة الكيان:”لكنه يبقى هناك احتمال ان نحتاج إلى المساعدة، فإذا ما بدأنا بالضربة الاولى فلن نحصل على الدعم من احد”..وهى تقصد الحليف الإستراتيجى لهم (الولايات المتحدة الأمريكية).
بل ان جولدا تتخذ القرار الاصعب فى حياتها وتقول:” كم كنت احب ان اقول نعم لاننى اعرف ما الذى تعنيه، لكننى سأقول “لا” بقلب كبير”.
ويبدوا انها اقتنعت بتقارير اجهزتها الاستخباراتية التى تقول بعدم قدرة المصريين على الحرب(!).
وبهذا نجحت خطة الخداع الإستراتيجى ان تحقق تعمية لتحركات القوات المصرية على جبهة القتال، بل وإن الخطة
أقنعت كبار القادة العسكريين والأمنيين والسياسيين فى دولة الاحتلال وجهات الدعم المعلوماتي الخارجية لهم
بانعدام وجود نوايا عدائية من مصر لاسترداد الارض.
وطلبت جولدا من سميحا دانتير سفيرها فى امريكا ان يعود إلى امريكا، وتحدثت مع منافسها مناحم بيجن حول هذا
الأمر.
وتقول:”طلبت عقد اجتماع للحكومة عند الظهيرة، كما طلبت إلى سفير امريكا آنئذ كينث كيتنج ان ياتى
لمقابلتي،وابلغته امرين : انه طبقا لتقارير مخابراتنا فان الهجوم سوف يبدا فى ساعة متاخرة بعد الظهر، وأننا لن نبدا
بالضربة الاولى، كذلك فربما يكون هناك شىء يمكن عمله من اجل منع وقوع الحرب، سواء بتدخل امريكى مع الروس
اوحتى مع المصريين”.
وعندما اجتمعت الحكومة بعد الظهر للمرة الخامسة، تقول جولدا:”وفجأة وبينما نحن مجتمعين، دفع سكرتيرى
العسكرى باب غرفة الاجتماع، حاملا الأنباء بان الضرب قد بدأ”..
ونستكمل فى القادم ان شاء الله وقع صدمة عبور المصريين على الاجتماع الحكومى للصهاينة.