جيهان عبد الرحمن تكتب : حين تدار الأرض بمنطق القناص !

بدأت الحكاية بسؤال بسيط طرحته ابنتي: لماذا قُتل طائر جميل لم يفعل شيئًا؟ حدثتني وهي شديدة التأثر عن طائر الفلامنكو وما يثار حول قصة قنصه وهو بلا ذنب لمجرد مروره علي من يجهل قيمته.
كان السؤال أكبر من طائر، وأثقل من إجابة سريعة. الفلامنكو، ذلك الكائن الوردي الذي يعبر القارات دون جواز سفر، لم يُقتل لأنه نادر فقط، بل لأنه ضعيف، ولأن ضعفه صادف زمنًا لا يعترف إلا بالقوة.
قصة طائر الفلامنكو التي أُثيرت حول اصطياده في الأردن، اختلط فيها الواقعي بالرمزي، عمدًا أو جهلًا. في الواقع، هو طائر مهاجر محمي دوليًا، يصل أحيانًا إلى أغوار الأردن أو الأراضي الرطبة في العقبة بعد رحلة شاقة تمتد آلاف الكيلومترات، فيُستقبل بالرصاص، في مخالفة بيئية صريحة للقوانين. وفي الرمز، يتحول الطائر إلى استعارة كاشفة لكل جميل، أعزل، مختلف، يُقتل لمجرد مروره في عالم لم يعد يحتمل الضعف. لم يكن الفلامنكو يبحث عن بطولة، ولا عن أرضٍ يملكها، لا غازي ولا معادي، بل عن استراحة قصيرة: ماء، غذاء، دفء. لكنه وصل إلى زمن لا يمنح العابر فرصة الشرح..
ربما يختلف الأمر عن المعني القرآني المقصود في سورة التكوير .. وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ لكن السؤال واحد والذنب غائب ! ..فهل قُتل الفلامنكو لأنه جميل؟ أم لأنه مختلف؟ أم لأنه لا يصلح إلا ضحية؟
مشهد سقوط الفلامنكو ليس مجرد حدث بيئي معزول، بل صورة مكثفة لعالم اليوم. عالم بات يرى في كل عابر تهديد، وفي كل مهاجر عبء ، وفي كل ضعيف خطر مؤجل. عالم تُدار فيه السياسة بعقلية القنص، من بعيد، ببرود، دون نظر في العين، ودون سؤال عن القصة.
انظر إلى السياسات المعاصرة في الولايات المتحدة، خصوصًا في عهد دونالد ترامب، حيث تحولت الهجرة إلى جريمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية. جدران تُبنى، حدود تُغلق، أطفال يُفصلون عن ذويهم، لا لأنهم مجرمون، بل لأنهم وصلوا. لا يُنظر إلى الإنسان، بل إلى الخريطة، ولا مكان للضعف في الحسابات.
وفي أوروبا، التي تتغنّى بحقوق الإنسان، تُترك قوارب المهاجرين لتغرق في المتوسط، ويُناقَش عدد الغرقى بلغة إحصائية باردة. أما في منطقتنا العربية، فالأمر أكثر فجاجة، مدنيون عالقون بين نارين، لا يُقتلون لأنهم يقاتلون، بل لأنهم وُجدوا في المكان الخطأ، في التوقيت الخطأ، بلا حماية كافية.
السياسة لم تعد فنّ إدارة الحياة، بل علم اختيار الهدف ،لم تعد مسؤولية حماية الأضعف، بل مهارة تبرير قتله.عرفت الطيور خطوط هجرتها قبل أن تعرفها الدول. كانت السماء بلا سيادة، والأرض بلا حدود لكن الدول الحديثة ضاقت بالزائرين ثم بالغرباء، ثم بأبنائها. طائر الفلامنكو لم يُقتل لأنه طائر، بل لأنه لا يجيد القتال في زمن يعتبر الإنسانية عبء.
سقوط الفلامنكو يفضح الحقيقة العارية، نحن نعيش في عالم يُدار بمنطق الصيد، لا بمنطق الرعاية. عالم تُطلق فيه الرصاصة أولًا، ثم تُكتب البيانات لاحقًا. عالم أصبح فيه الجمال تهمة، والضعف سبب كاف للإعدام.
ولعل السؤال الحقيقي ليس لماذا قُتل الفلامنكو ..بل كم فلامنكو آخر يجب أن يسقط، من طيور وبشر، قبل أن نعترف بأن السياسة حين تفقد بعدها الأخلاقي، تتحول إلى قنصٍ مفتوح لكل ما هو أعزل؟
لم يُقتل طائر الفلامنكو لأنه ضلّ طريقه، بل لأنه وصل إلى عالمٍ لم يعد يعترف بحق العبور، ولا بحق الضعف، ولا حتى بحق الحياة المجردة من المنفعة. عالم تُقاس فيه القيمة بمدى القدرة على الردّ، لا بمدى الاستحقاق الإنساني.
الفلامنكو ليس استثناء في هذا العالم، بل القاعدة. هو الاسم المؤقت لكل كائن يُترك بلا حماية: طفل، مدني، لاجئ، فكرة، أو جمال زائد عن الحاجة.
السياسة الحديثة لا تقتلهم لأنها شريرة فحسب، بل لأنها لم تعد تراهم أصلًا، الخطر الحقيقي ليس في الرصاصة التي أسقطت الطائر، بل في المنطق الذي برّرها، وفي العالم الذي صفّق لها بصمته. حين يصبح البقاء مرهونًا بالقوة، لا يعود السؤال: من القاتل؟ بل من التالي؟
وحين تُدار الأرض بمنطق القنّاص، لا ينجو أحد طويلًا، لأن الدور سيأتي، عاجلًا أو آجلًا، على كل من لا يحمل بندقية، أو لا يُجيد إطلاق النار باسم أي قضية.
في هذا العالم، لم يعد القتل فعلًا استثنائيًا، بل لغة سائدة، ولم تعد السياسة إدارةً للمصير المشترك، بل إعلانًا مفتوحًا بأن الضعف جريمة، وأن الحياة بلا أنياب خطأ لا يُغتفر.