عبد الناصر البنا يكتب: كفانا .. ألقاب !!

البيه ، والباشا ، والأفندى ، والهانم .. كلها ألقاب ألغيت رسميًا فى مصر بقرار من مجلس قيادة الثورة فى يوليو 1952 م بهدف تحقيق العدالة الإجتماعية والمساواة بين الناس وإزالة الفوارق الطبقية ، ورغم ذلك لاتزال هذه الألقاب معششة فى العقل الجمعى المصرى ، وأعتقد أنها عادت وبقوة مرة أخرى وأصبحت تُطلَق على رجال الأعمال ، ورجال القانون ، وضباط الشرطة والجيش ، وأصبح هذا التصنيف الزائف للناس يطلق على أساس المال والجاه كنوع من الوجاهة الإجتماعية ، حتى أن العامة من الشعب أصبحوا يُطلِقونها على بعضهم ، مفيش حد أحسن من حد فى هذا الزمن .
على مواقع التواصل التواصل تابعت السباق المحموم على مقاعد البرلمان فى محافظات الصعيد ، والحقيقة أن مالفت نظرى هو الـ “إفراط ” فى إستخدام ألقاب مثل ” ياوزير .. يالواء ” على بعض المرشحين ، وبداية أود أن أشير إلى أن إستخدام لقب ” اللواء ” فى الدعاية الإنتخابية هو مخالفة صريحة للقانون الذى ينص بوضوح على أن الضابط لايحق له بعد انتهاء خدمته استخدام رتبته العسكرية في أي مستند أو ورقة رسمية أو تعامل إداري
الرتبة العسكرية هى ليست لقبًا مدنيًا ، بل هى صفة وظيفية تزول بمجرد ترك الخدمة ، وقانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية يشترط على أي مرشح أن يكون “مدنيًا ” بالكامل أثناء الترشح ، والمصيبة الأكبر أن أغلب هؤلاء تركوا الخدمة على رتبه ” رائد أو مقدم ” على أقصى تقدير ، حتى أنه لم يحصل على لقب لواء متقاعد ، ومن ناحية ثانية من بين الأمور التي تناولها قانون العقوبات المصري جريمة انتحال الصفة ، والتي وصفها بـ” اختلاس الألقاب ” وحدد لها عقوبات تتراوح بين الحبس والغرامة .
لكن يبدو أننا شعب مغرم ب” الألقاب ” لدرجة أن المثل العامى يقول لك } إن كان لك حاجة عند الكلب قول له .. يا سيدي { وللأسف مثل هذه الأمثال هى التى جعلت الكلاب يصدّقوأ حقا أنهم أسياد . وفى المقابل ليس هناك مايمنع ان نعطى لكل ذى حق حقه فى الألقاب المقبولة ، وحياتنا فيها ناس يحق أن نطلق عليهم “أسياد” وفى مقدمتهم السير مجدى يعقوب أطال الله فى عمره ، وغيره الكثير بالطبع ، أيضا لايصح أن تكون هناك ألقاب فيها نوع من التحقير أو تعمد الإهانة أو التسفيه بالبشر ، ولعلنا نتذكر أقوى إعتذار فى التاريخ لما الصحابى الجليل أبو ذر الغفارى عير سيدنا بلال ، وقال له : يا ابن السوداء ، ولما علم النبي ﷺ بذلك قال له : إنك امرؤ فيك جاهلية .
على المستوى الشخصى أتذكر أول صفعة تلقيتها على وجهى فى مقتبل عمرى كانت بسبب الألقاب ، والطريف أنها لم تكن من والدى رحمه الله ، قد تكون بسببه ، مع الذكرى السنوية الأولى لوفاة والدى جرت العادة فى الصعيد على إقامة سنوية يدعى إليها وجهاء القوم والأعيان والعمد والمشايخ وتوجه لهم الدعوات ، ونظرا لكثرة أعداد المدعوين ، كنت واحدا ممن تولوا كتابة الأسماء على مظاريف الدعوات بتوجيه من إبن عمى صاحب المعرفة بالقبائل والعائلات ، وبينما هو يملى على إسم أحد العمد كتبت إسمه مجردا من أى لقب ، وإذا بصفعة مباغته على وجهى أردفها ” إنت بتقطع من جلدك ” مأتكتب” حضرة .. سعادة ” قبل الإسم ، وكانت هذه الصفعة درسا لن أنساه فى حياتى ، مفاده ” أعط لكل ذى حق .. حقه ” من التقدير والاحترام ، ومنها وحتى اليوم يصعب أن تفارقنى كلمات مثل ” حضرتك .. سعادتك .. سيادتك .. معاليك .. جنابك .. أستاذنا ” .. إلخ .
أما الشىء المحزن فهو أن تثار الشكوك حول كثير من حاملى لقب مثل ” دكتور ” من شاغلى الوظائف العليا بدرجة ” وزير ــ محافظ ” وسرعان مايتكشف أن شهادة الدكتوراة كانت مزورة أو مشكوك فى أمرها كون التخصص غير موجود أو الجامعة نفسها ليس لها مقر أو وجود على أرض الواقع ، وأن هذه الشهادات تم شراؤها ” أون لاين ” وهى منتشرة على شبكات التواصل والمواقع الألكترونية ، وهذا أمر يدعو إلى الأسى والحزن فى ذات الوقت ، وهناك سابقة خطيرة لـ قضية هى الأغرب من نوعها ، عندما إتهم محافظ سابق للمنوفية بتهم فساد ومن بينها أنه غير حاصل على درجة الدكتوراة فى الإدارة المحلية من جامعة كامبردج البريطانية كما يدعى ، والطريف أنه أيضا حاصل على شهادة فخرية فى ” الشجاعة في الحسم واتخاذ القرار” ، وأعتقد أن لهذا العنوان تكملة وهو .. فى نهب المال العام .
ومؤخرا ثارت الشكوك حول شهادة وزير التربية والتعليم ، وكلها أمور تحتاج إلى حسم وتدقيق حتى لاتفقد الوظيفة العامة بريقها وهيبتها ، ولعلنا نتذكر فيلم ” معالى الوزير ” عندما جسّد الفنان أحمد زكي شخصية “رأفت رستم” أو “وزير الصدفة ” الذي تولى منصباً وزارياً بالصدفة نتيجة خطأ في الأسماء ، ورغم ذلك تمسك بالكرسى وأصبح فاسداً ، ويبدو أن الفيلم إرتبط بواقع أدى إلى وصول شخص إلى هذا المنصب لمجرد تشابه فى الأسماء . ويبدو أن الأسماء أكثر حظا من الألقاب .. أحيانا !!
حفظ الله مصر ..