د. محمد أشرف الغمراوي يكتب :ازدواجية المعايير فى المعاملات الأسرية.

في البيت الواحد، وتحت السقف نفسه، لا يعيش الأبناء بالقانون ذاته. فهناك قانون غير مكتوب يُطبَّق على الولد، وقانون آخر يُفرض على البنت، وكلاهما يُبرَّر باسم العُرف، ويُغلَّف بشعارات الحكمة والخوف والمصلحة.
لسنا أمام اختلاف أدوار بقدر ما نحن أمام ازدواجية معايير، يتبدل فيها العدل بتبدل الموقع، ويُقاس الحق بمدى قرب صاحبه منّا.
في البيت :
- قانون الولد:
الولد صوته مسموع، وغضبه مفهوم، وأخطاؤه «نزوة شباب». له حرية الخروج، وحرية الاعتراض، وحرية التجربة.
وإن قصّر، قيل: «راجل ويتعلم».
- قانون البنت:
البنت مطالبة بالهدوء، بالطاعة، وبالتحمّل.خطؤها فضيحة، وصوتها العالي قلة أدب، واعتراضها تمرد. وإن تعبت، قيل لها: «استحملي… دي طبيعة البنات».
الولد يُربّى على أن البيت يخدمه،والبنت تُربّى على أنها هي من تخدم البيت.
في الحق في التعليم :
- قانون الولد:
تعليمه استثمار، ومستقبله أولوية. إن فشل، أُعطي فرصة أخرى، وإن غيّر مساره، شُجّع على التجربة.تُصرف الأموال بلا تردد: دروس، جامعة، كورسات، سفر.
- قانون البنت:
تعليمها «لحد معين».
فإن زادت الطموحات، قيل: «وفي الآخر هتتجوز».
وإن تعارض تعليمها مع تعليم أخيها، كان التنازل من نصيبها.
الولد يتعلم ليصنع مستقبلًا،
والبنت تتعلم كي لا تُحرج أهلها… فقط.
في الزواج :
- قانون الولد:
يختار، يرفض، يؤجل، ويخطئ.
تُخفَّف عنه التكاليف،
ويُطلب من العروس التنازل باسم الحب والتفاهم.
وإن فشل الزواج، قيل: «نصيب».
- قانون البنت:
تُختار لها الأعذار قبل أن تختار هي.
تُحمَّل شروط الصبر،
ويُطلب منها إنجاح الزواج بأي ثمن،
فالفشل هنا وصمة لا تُنسى.
الولد يتزوج ليعيش،
والبنت تتزوج لتصبر.
القائمة: حين يصبح الحق انتقائيًا
ومن أكثر صور التناقض صدمة،
ذلك الفصل المتعمّد في مفهوم قائمة المنقولات الزوجية.
حين يكون الزوج ابنًا:
تُقنعه أمه أن القائمة إهانة لرجولته،
وأن الزوجة إن ضمنت حقها “هتتجرأ”.
فيُدفع إلى زواج بلا أي ضمانات،
لا ثقةً في الأخلاق، بل حرصًا على ألا تمتلك زوجته حقًا يحميها إن ظُلِمت.
وحين تكون العروس ابنة:
تصبح القائمة «صمام أمان».
تُكتب بدقة، وتُغلَّظ الشروط،
ويُقال بلا خجل:
«القائمة دي ضمان حقها لو الزمن غدر».
نفس المرأة التي ترى القائمة أمانًا لابنتها،
تراها خطرًا حين تخص زوجة ابنها.
فيتحول العدل إلى سلعة،
يُمنح حين نخاف على بناتنا،
ويُسحب حين نخشى على أبنائنا من المساءلة.
زوجة الابن بين العرف والعدل
ومن أبشع التناقضات،
أن تتحول زوجة الابن إلى أداة خدمة دائمة،
لا يُقدَّر تعبها، ولا يُحترم وقتها،
ولا يُنظر إليها كإنسانة لها حدود.
تُستدعى في أي وقت،
تُؤمر لا تُطلب،
وتُحاسَب بلا شكر،
تحت مسمى:
«دي مرات ابني… لازم تخدمني».
لكن لو كانت الفتاة أخته ،
يتغيّر المشهد فجأة، ويُرفع شعار العدل والرحمة.
يُطالَب الزوج حينها بحسن المعاملة،
وبألا يُرهق زوجته،
وألا يسمح لأمه أو أهله بإهانتها أو استغلالها.
والمفارقة الصادمة،
أن نفس الزوج الذي يظن نفسه عادلاً، يرى أنه يحقق العدل،
بينما يجعل زوجته خادمة لأمه،
ولا يطلب من أمه أدنى درجات التقدير،
ولا حتى كلمة شكر،
ولا يعترض على قسوة أو إهانة،
وكأن كرامة زوجته مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
بل إن بعض الرجال لا يكتفون بالصمت،
بل يمارسون الضغط والإجبار،
ويحولون الخدمة إلى فريضة قهرية،
تحت مسمى:
«لازم تخدمي أمي».
ومنهم من يتجاوز كل الحدود،
فيبرر الاعتداء الجسدي على زوجته،
وكأن الضرب وسيلة إصلاح،
وكأن العنف حق مكتسب،
لا جريمة تُرتكب داخل بيت يُفترض أنه قائم على المودة والرحمة.
فيُختزل العدل الذي أُمر به الزوج،
ليس في المساواة بين زوجته وأمه في الاحترام،
بل في إخضاع زوجته لإرضاء أمه،
ولو على حساب إنسانيتها وأمانها وكرامتها.
الخاتمة
كل هذه التناقضات لا تبني بيتًا،
بل تصنع ظلمًا يُعاد تدويره عبر الأجيال.
فالمرأة التي قُهرت زوجة،
إن لم تراجع نفسها،
قد تتحول إلى قاهرة حين تصير حماة.
والرجل الذي تربّى على أن العدل ضعف،
سيورّث الظلم،
ثم يتعجب حين يجنيه.
والأصل في الدين والأخلاق أن الظلم محرّم،
فلا يُرتكب بحق أحد،
ولا يُغض الطرف عنه،
فالزوج الذي يظلم زوجته اليوم باسم أمه،
غدًا سيقف أمام بنته،
ويرفض أن تُظلم بأي شكل،
وسيكتشف حينها بنفسه كيف أن الظلم الذي ارتكبه تجاه زوجته،
يُعاد عليه حين يتعلق الأمر بابنته، حتى من زوجها أو والدته.
العدل لا يتجزأ،
ومن يطلبه لنفسه فقط، لن يجده حين يحتاجه.
وأخيرًا أذكركم ونفسي بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾.
صدق الله العظيم.