قراءة في ديوان “عيون غزلان” ..للشاعر محمد الشرقاوي
بقلم الناقدة الباحثة ياسمين حسن

يمثل الشعر العامي جزءًا أصيلًا من التراث الأدبي العربي، إذ يعكس صوت الشارع والواقع اليومي للناس، ويعبّر عن مشاعرهم، وهمومهم، وقيمهم بطريقة مباشرة وقريبة من التجربة الحياتية. وعلى الرغم من بساطته الظاهرية مقارنة بالشعر الفصيح، إلا أن الشعر العامي يمتلك القدرة على التعبير عن أعقد المشاعر والأفكار بأسلوب صادق وفاعل، فهو يجمع بين السهولة اللغوية والقدرة على التأثير النفسي والعاطفي في المتلقي.
وفي هذا السياق، يأتي ديوان محمد الشرقاوي «عيون غزلان» مثالًا بارزًا على قدرة الشعر العامي على الجمع بين التعبير الشعوري العميق، والرسالة الاجتماعية والوطنية، والبعد الفلسفي، مع الحفاظ على بساطة اللغة وإيقاعها الموسيقي الذي يجذب القارئ منذ اللحظة الأولى.
إذ يعبر الديوان عن تجربة شعرية متكاملة تجمع بين البساطة اللغوية والعمق الفكري، وتعكس اهتمام الشاعر بالإنسان ومجتمعه، بدءًا بالقيم الاجتماعية والوطنية، مرورًا بالعواطف والمشاعر الوجدانية، ووصولًا إلى التأملات الفلسفية حول طبيعة الإنسان والزمن والمسؤولية. وقد وظف الشرقاوي اللغة العامية بطريقة حية تجعل الكلمات اليومية حاملة لأفكار وأحاسيس عميقة، وتقترب من تجربة القارئ الشعورية والحياتية، مما يجعل الديوان نصًا أدبيًا متكاملًا من حيث المضمون والجماليات الفنية.
تبدأ نصوص الديوان بتمجيد القيم الأخلاقية والاجتماعية، ويبرز ذلك في قصيدة «ولاد ناس»، التي ترسم صورة الإنسان النقي الملتزم بالقيم الأصيلة:
“ولاد الناس يحبوا الناس”
“عشان هم أصول وأساس”
“قلوبهم صافية مبتسمة”
“وتحلف إنهم نسمة”
“وضحكتهم وفرحتهم
بتحفر في الزمن بصمة”
“وبتكلم نجوم الليل
وبتشاور لكل جميل”
“تمد إيديها بالفرحة
وترسمها لجيل ورا جيل”
“وأحسن وعد كلمتهم
وخط أحمر كرامتهم”
“تمر سنين وراها سنين
وأجمل صحبة صحبتهم”
تظهر هذه الأبيات التزام الإنسان بالقيم اليومية، وربط الأصل بالقيم العملية، ما يعكس وعي الشاعر بأهمية الصدق والنقاء والكرامة والإخلاص كأساس للتعايش الاجتماعي. من الناحية الفنية، يعتمد الشرقاوي في هذا النص على التكرار البنائي، الذي يضفي إيقاعًا موسيقيًا داخليًا ويعزز المعنى الأخلاقي. كما تُوظف الصور الشعرية والرموز الطبيعية مثل “نجوم الليل” و”وضحكتهم وفرحتهم بتحفر في الزمن بصمة”، ما يمنح النص بعدًا بصريًا وحسيًا يثري القراءة ويجعل القيم الأخلاقية ملموسة في ذهن المتلقي. ويلاحظ استخدام الطول المتفاوت للأسطر، ما يخلق إيقاعًا حركيًا يعكس الاستمرارية الزمنية للقيم والأفعال الإنسانية.
وفي المقابل، يقدم نص «أنا رهن إشارة مصر» نموذج المواطن الفاعل، الذي يوازن بين القوة الفكرية والالتزام الوطني:
“أنا رهن إشارة مصر”
“أنا جندي وقلمي سلاح”
“يعرف أسباب النصر”
“يرسم خطط الإصلاح”
“يكشف أفكار ومواهب”
“تهزم عقبات ومصاعب”
“تصنع بطولات ومكاسب”
“تكبر مع كل صباح”
“وأنا رهن إشارة مصر”
“أنا جندي وقلمي سلاح”
تبرز هذه الأبيات ثنائية القوة الفكرية والبدنية في خدمة الوطن، مع الإيقاع الداخلي المتجدد والأسلوب المباشر الذي يضمن وصول المعنى الوطني والاجتماعي بوضوح. من الناحية الجمالية، يظهر استخدام التوازي في تركيب الجمل وتكرار كلمة “يعرف” و”يرسم” و”يكشف”، ما يعزز الإيقاع الشعري ويقوي من تأثير الخطاب الوطني، بينما الرمزية الوظيفية في “قلمي سلاح” تدمج بين القوة الفكرية والالتزام العملي.
على الصعيد الوجداني، يعكس الشرقاوي مشاعر الحب والوفاء الصادق، كما يظهر في قصيدة «أنا معاكي»:
“تكوني زي ما تكوني
أنا معاكي”
“يا ساكنة في قلبي وعيوني
وبهواكي”
“أنادي كتير تعانديني”
“وببعد يوم تناديني”
“تعالي قوام وصارحيني”
“ده أنا مش قادر أنساكي”
“يا ساكنة في قلبي وعيوني
وبهواكي”
“تكوني سفينة بتسافر”
“هكون بحّار”
“ويعلى الموج وأنا صابر”
“وقلبي نهار”
“وشايفك يا عروسة البحر”
“فريدة في الجمال والسحر”
“ومهما تطلبي في المهر”
“بكل كياني وياكي”
“يا ساكنة في قلبي وعيوني
وبهواكي”
تُظهر هذه الأبيات الوفاء والحب العميق، ويستخدم الشرقاوي الرمزية البحرية لتصوير رحلة العاطفة، كما تعتمد الصورة الجمالية على التكرار المتعمد لعبارة “يا ساكنة في قلبي وعيوني وبهواكي” لإبراز ثبات الشعور والوفاء. كما يبرز التباين بين “هكون بحّار” و”وقلبي نهار” لتعزيز التناقض الشعوري بين الصبر والحرارة العاطفية، وهو أسلوب يضيف كثافة وجدانية إلى النص.
ويؤكد نص «ما خنت حبيبتي ولا مرة» على الوفاء العاطفي رغم صعوبات الحياة:
“ولا مرة”
“ويعلم ربنا إني”
“ما خنت حبيبتي ولا مرة”
“وراسم حلم جنني”
“تعيش طول الزمن حرة
جبينها فوق جبين الكون”
“وتفديها قلوب وعيون”
“ومهما نقاسي مش بتهون”
“على وجه الصباح درة”
ويعتمد الشرقاوي في هذا النص على التكرار والإيقاع الداخلي لتقوية الانطباع العاطفي، مع توظيف الصور الكونية مثل “جبينها فوق جبين الكون” لتعظيم القيمة الرمزية للحب والوفاء. كما يظهر الاستخدام المكثف للفعل في “تعيش، تفديها” لإظهار الاستمرارية والقدرة على التحمل، ما يعزز الجانب الجمالي والفني للنص
يمتد الشرقاوي إلى التأملات الفلسفية والاجتماعية، كما في نص «لحظات العمر»:
“سبعين تمانين تسعين بتفوت”
“أخرتها يا عم الحاج الموت”
“أخرتها حساب اسمع في سكوت”
“لحظات العمر
يا دوب لحظات”
“بتعدي ما بين وهم وخلافات”
“والجرح سنين والفرح ساعات”
“وتشيب في همومك وانت وليد”
“وتصارع يومك وانت وحيد”
“وتعافر يمكن تلقى حلول
وتقابل كل مصير مجهول”
“وتعاتب نفسك مسا وصباح”
“إنك مسئول”
“كانت في عيوني الدنيا أمان”
“والقلب بكل طموح فرحان”
“بيمد أيادي الحب بشوق
وكمان إيمان”
“وزرعت الخير في طرق ودروب
ورصفت جسور
وساعدت الصاحب والمكروب”
“وعبرت بحور
وكتبت قصايد للأحلام”
“من غير الحلم إزاي هنعيش”
“الحلم بيصنع نور وسلام”
ويظهر في هذا النص استخدام العدّ الرقمي لتصوير تدفق الزمن، والمقابلات بين الجرح والفرح لتأكيد تقلبات الحياة، كما يعزز تكرار العبارات “وتصارع يومك… وتعاتب نفسك” الشعور بالمسؤولية الذاتية. ويتميز النص بالصور الحركية والرمزية في “عبرت بحور وكتبت قصايد للأحلام” التي تمنح النص بعدًا بصريًا وفنيًا متنوعًا.
وينتهي البعد الفلسفي–الاجتماعي في نص «طبع البشر»، الذي يعكس صراع الإنسان بين القيم والمصلحة:
“طبع البشر”
“علشان تعيش وسط البشر
لازم يكون قلبك حجر”
“لا تحن مرة لدمعهم”
“ولا يوم تخاف عند الخطر”
“ترفع شعار المصلحة”
“تنسى القلوب الصالحة
تفرد جميع الأجنحة”
“تبقى اللي خان واللي غدر”
“علشان تعيش وسط البشر”
ويبرز النص القدرة على المزج بين النقد الواقعي والوعي الفلسفي، كما يوضح استخدام الرمزية في “قلبك حجر” لإيصال المعنى الأخلاقي والفني، مع إيقاع متجدد يعكس حركة الحياة اليومية وصراع القيم الفردية والمجتمعية.
يمكن القول إن ديوان «عيون غزلان» قد حقق قيمة واضحة على مستويات متعددة؛ فهو لا يكتفي بالرسالة الجمالية وحدها، بل يمتد ليؤثر في الوعي الاجتماعي والوجداني والفلسفي للقارئ. فالقصائد التي تناولت القيم الأخلاقية والوطنية مثل «ولاد ناس» و«أنا رهن إشارة مصر» أسهمت في تعزيز الوعي الفردي والجماعي بأهمية الصدق، النقاء، والالتزام المجتمعي. كما أن النصوص الوجدانية مثل «أنا معاكي» و«ما خنت حبيبتي ولا مرة» أعادت الاعتبار للوفاء والحب الصادق، فاستعادت هذه المشاعر حضورها في الوجدان بعد أن كادت بعض مظاهر الحياة الحديثة تقلل من قيمتها. أما من الناحية الفلسفية، فإن نصوص مثل «لحظات العمر» و«طبع البشر» فتحت آفاقًا للتأمل في طبيعة الزمن، المسؤولية، وصراع الإنسان بين القيم الفردية والمصلحة، ما يجعل الديوان نصًا تعليميًا وتنمويًا في الوقت نفسه. وبالجمع بين هذه الأبعاد الثلاثة – الاجتماعي، الوجداني، والفلسفي – يمكن القول إن الشرقاوي حقق ديوانًا ذا قيمة معرفية وفنية، قادرًا على التأثير في القراء، وتقديم نموذج للشعر العامي الرفيع الذي يمس العقل والوجدان معًا.
الخاتمة
يؤكد ديوان «عيون غزلان» على أن الشعر لا يقتصر على التعبير الفني، بل يشكل أيضًا مشروعًا أخلاقيًا وإنسانيًا وفلسفيًا، يربط بين الإنسان ومجتمعه ومشاعره وأفكاره. ويقدم الشرقاوي من خلال اللغة العامية نصوصًا شعرية قادرة على أن تكون تعليمية، توعوية، وجدانية، وفلسفية في الوقت نفسه. ويبرهن الديوان على قدرة الشعر على الجمع بين العمق الفكري والصدق الشعوري، مما يجعله تجربة أدبية متكاملة تستحق الدراسة والتحليل.
كما أن الديوان يضيف بعدًا مهمًا في مسار الشعر العربي المعاصر، فهو يجمع بين التجديد الفني والارتباط بالتراث الشعبي، ويؤكد على قدرة الشعر العامي على معالجة قضايا الإنسان المعاصر بأسلوب راقٍ وجاذب. إن أثر الديوان لا يقتصر على المتعة الجمالية، بل يمتد ليشكل مرجعًا ثقافيًا وأخلاقيًا، ويحفز القارئ على التفكير في قيمه الشخصية والمجتمعية، ما يجعل «عيون غزلان» تجربة شعرية متكاملة ذات قيمة دائمة، سواء من منظور الفن الشعري أو من منظور الرسالة الإنسانية والاجتماعية