الكاتب محمد نبيل محمد يكتب : قناة السويس العبور الدائم والتدخل المستحيل
الدفاع عن قناة السويس وبدء الحملات التركية الألمانية

نستكمل تفاصيل الحرب الحالمية الأولى وعلاقاتها العسكرية بسيناء وقناة السويس فقد كانت شبه جزيرة سيناء مسرحًا للمعارك القاسية للدفاع عن مصر، ففي 25 نوفمبر 1914 حدث أول اشتباك في سيناء في منطقة بين بير النصف وقطية التي تبعد 43 كيلو مترًا شرق القنطرة، ودارت الاشتباكات بين قوة مصرية من الهجانة يقودها الكابتن تشوب والملازم أول محمد أنيس وبين قوة من الهجانة التابعة للجيش التركي، وقضت عليها القوة المصرية ، وأثناء التقدم نحو قطية اشتبكت مع فرسان من القوات التركية ، فانسحبت القوة المصرية.
بعد ذلك قررت القيادة العسكرية البريطانية الاستعداد لمواجهة تركية- بريطانية قادمة، وأن يكون خط قناة السويس هو خط الدفاع الأمثل.
التخطيط لإغلاق قناة السويس
قامت الدولة العثمانية – بتحريض من حليفتها ألمانيا – بمهاجمة بريطانيا في مصر والعمل على إغلاق قناة السويس للحيلولة دون وصول الإمدادات من مستعمراتها في الهند وأستراليا، وكان الجيش العثماني”الجيش الرابع” بالمنطقة يتمركز بمدينة القدس تحت قيادة وزير البحرية العثماني “أحمد جمال باشا” ، وكانت سيناء وقتها صحراء قاحلة لا ماء ولا طرق صالحة فيها لعبور القوات، وكان في منصب رئيس أركان الجيش العثماني عقيد ألماني يدعي كريس فون كرسنشتاين قام بالتخطيط للهجوم على مصر واستطاع الحصول على بعض التجهيزات والتعيينات أثناء عبور القوات العثمانية لصحراء سيناء.
معركة السويس الأولى
تمثلت فى هجوم عثماني ضد القوات البريطانية في مصر، كان الهدف الأساسي منه السيطرة على قناة السويس ، وبدأ الهجوم في 3 يناير 1915 وانتهى بانسحاب عثماني في 3 فبراير 1915.
مع نهايات عام 1914 رأت السلطات التركية في ظل الظروف التي فرضتها الحرب العالمية الأولى تعيين قائد كبير يفرض سلطته القوية على منطقة بلاد الشام ومصر التي كانت قد خضعت للاحتلال البريطانى فعينت واليًا جديدًا على سوريا خلفًا للوالي خلوصي بك هو أحمد جمال باشا الملقب بالسفاح وهو قائد عسكري عثماني من زعماء جمعية الاتحاد والترقي ومن المشاركين في الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني، وقد شغل منصب وزير الأشغال العامة وقائد البحرية العثمانية قبل أن يصبح الحاكم المطلق في سوريا وبلاد الشام، وقد خطب جمال باشا أول قدومه إلى دمشق في النادي الشرقي عام 1914 قائلًا:
“يجب عليكم يا أبناء العرب أن تحيوا مكارم أخلاق العرب ومجدهم، منذ شروق أنوار الديانة الأحمدية، أحيوا شهامة العرب وآدابهم حتى التي وجدت قبل الإسلام، ودافعوا عنها بكل قواكم، واعملوا على ترقية العرب والعربية، جددوا مدنيتكم، قوموا قناتكم، كونوا رجالًا كاملين”
إلا أن والي سوريا الجديد لم يكن في الحقيقة إلا مبغضًا للعرب، كارهًا لهم، وكان يبيت في نفسه نية الانتقام منهم ومن حركاتهم السياسية التحررية من السيادة العثمانية ، حالما تسنح له الفرصة.
كانت مهمة جمال باشا الأساسية تجهيز حملة على مصر للقضاء على السيطرة البريطانية، إلا أنه قبض على زمام السلطة بيد من حديد، واعتمد سياسة البطش، وتلهى عن إعداد الحملة بالعمل على تعزيز سلطته وبسط سيطرته وإقصاء العناصر العربية عن مراكز الإدارة والقرار.
قبيل اندلاع المواجهة بين الإمبراطوريتين على الأرض المصـرية، قامت بريطانيا بعدة إجراءات القصد منها قطع الصلة بين تركيا ومصر لمواجهة احتمال تعاطف الشعب المصري مع الجيش العثماني المهاجم، فقامت بخلع الخديوي عباس حلمي الثاني وعينت بدلًا منه عمه حسـين كامل وأعلنت الأحكام العرفية وسخرت موارد الدولة المصرية في خدمة قواتها العسكـرية، وطرحت فكرة الهجوم من إسماعيل أنور باشا الرجل القوي فيما يعرف باسم “الباشوات الثلاث” وهو المجلس المسيطر فعليًّا على الحكومة العثمانـية بعد أن تم تحريضه من قبل حلفائه الألمان في الهجوم على البريطانيين في مصر، وأصبحت الفكـرة واقعًا عندما اجتمع لدى “أحمد جمـال باشا” وزير البحرية العثماني وقائد الجيش الرابع قرابة الـ20 ألف جندي متحفزين لشن الحمـلة على السويس .
في مواجهة تلك الأخطار حشدت بريطانيا 70 ألف من جنودها في مصر بحلول شهر يناير 1915 ويقودهم الجنرال جون ماكويل، وكان معظم هؤلاء الجنود عبارة عن فرق هندية في الغالب مع وجود الفرقة 42 بريطانية التي كانت متمركزة شرق لانكشير ببريطانيا وفيلق الانزاك الذي يتكون من الجنود الأستراليين والنيوزلانديين يصل عدده الى 30 ألف من تلك القوات حشدت للدفاع عن منطقة قناة السويس، ولم يكن أمام الأتراك سوى إحدى ثلاث طرق يمكن أن يصـلوا من خلالها إلى قنـاة السويس عبر صحراء سيناء القاحلـة .
1- الطريق الساحلي الذي سيتيح لهم الوجود بالقرب من إمدادات الماء والسير عبر الطرق الصالحة، إلا أنهم بذلك سيضعوا أنفسهم تحت رحمة البحرية الملكية المسيطرة على الشواطئ
2- الطريق الأوسط من منطقة بئر السبع في فلسطين إلى الإسماعيلية مباشرة.
3ـ الطريق الجنوبي من القسيمة حتى قناة السويس .
اختارت القيادة التركية الطريق الأوسط لزحف جنودها إلى قناة السويس عبر سيناء، وبحلول منتصف يناير كان لدى الأتراك فرقتين وفرقة احتياطية مع وحدات الفرسان والإبل على أهبة الاستعداد للتقدم، واستمر الزحف لمدة 11 يومًا كانوا خلالها تحت بصـر سلاح الجو البريطاني الذي قام ببعض الطلعات عليهم أثناء سيرهم من فلسطين إلى سيناء، إلا أن القوات العثمانية واصلت تقدمها حتى وصلت إلى مشارف قناة السويس في 28 يناير.
فور وصولهم قامت سفن حربية بريطانية وفرنسية باتخاذ مواقعها وفتحت النار على القوات العثمانية المتقدمة، واشتبكت كل من القوات على جانبي القناة بصورة متقطعة في 2 فبراير، ولم تحدث مواجهة رئيسية بينهما خلال ذلك اليوم نظرًا لهبوب عاصفة رملية.
في ساعات الصباح الأولى من اليوم التالي قام الأتراك بشن هجومهم الرئيسي بمحاولة العبور إلى الضفة الشرقية للقناة باستخدام القوارب والمعديات القابلة للنفخ، لكنهم جوبهوا بنيران رشاشات بريطانية هندية قوية أدت إلى إتلاف القوارب والمعديات، وأصابت الأتراك بالذعر والهلع فاستسلم عدد منهم إلا أن ذلك لم يفت في عضد الأتراك ، فقاموا بهجوم ثانٍ في الساعة 6 صباحًا ، واستهدفوا به شمال المنطقة التي حاولوا العبور منها سابقًا، إلا أنهم كانوا تحت مراقبة سفن البريطانيين والفرنسيين، فقاموا بصد الهجوم وسحقه، وأدى لانسحاب تركي شامل لمنطقة بئر السبع في فلسطين , كان الهجوم مخيبًا لآمال الأتراك، فقد قتل منهم 1500 رجل، وكانوا يمنون أنفسهم طيلة مراحل هجومهم بثورة مصرية ضد البريطانيين إلا أن ذلك لم يحدث.
كان التكتيك البريطاني في الدفاع ناجحًا لدرجة كبيرة ولكنه اتسم بالخطورة ، لاعتماده على القناة كخط دفاع وحيد ، ورأت بريطانيا أن لقناة السويس مكانة حيوية بالنسبة لها، فنقلتْ أعدادًا ضئيلة من تلك القوات للمشاركة في حملة جاليبولي، وقاموا بإشراك وحدات من الجيش والبحرية المصـرية في الدفاع عن مصر ضد الهجوم التركي .
ونتابع فى القادم ان شاء الله تفاصيل معركة السويس الأولى.