الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب : أمانة المسعفين.. وإيثار هايدى.. وتضحية عامل المزلقان .. نماذج من ذهب
مطلوب برامج وصفحات متخصصة لعرض حكايات الشرف والأمانة والإنسانية والتضحية

ثلاثة نماذج إنسانية لم نتوقف عندها كثيرًا، تمثل ذروة الشرف والإنسانية والضمير الحي، وهو مؤشر على أن قيمنا وأخلاقياتنا مازالت بخير، لكننا بقصد وبدون قصد نسرف فى تناول وعرض النماذج السلبية التى خرجت عن المألوف،
فما رأيناه من بعض صناع المحتوى على «التيك توك» من انحلال، وفساد أخلاقي، وانحراف ربما فسره البعض أنه ظاهرة عامة وأن الجميع على نفس الدرب، والغريب أننا أدمنا متابعة هذه النماذج المسيئة أو قصص الجرائم، القتل والسرقة والتعرى والإنحلال، والجشع والاحتكار والألفاظ النابية والتحرش، والبلطجة والمخدرات، نريد بشغف أن نعرف تفاصيل ما حدث، سواء على صفحات الجرائد، أو قنوات بير السلم «السوشيال ميديا» التى تزخر بمثل هذه القصص،
وللاسف نسرف أحيانا فى عرض مثل هذا النوع من الجرائم أو الانحراف، ونغفل الاهتمام بالنماذج الايجابية والشريفة والإنسانية التى هى الأساس فى دعم صلابة الجدار الأخلاقى والإنسانى للمجتمع وفى عرضها رسائل مهمة، تتعلق بالقدوة والتربية السليمة
فهناك نماذج تتمسك بأهداب الشرف والشهامة والمروءة والعطاء والإنسانية والأمانة.. نحن فى حاجة أن نعرضها على الأبناء والأطفال بدلاً من المنحرفين والخارجين على القانون.
ثلاثة نماذج فى أيام قليلة، ضربت المثل فى الشرف والأمانة والإنسانية، وجعلتنا نتمسك بالأمل أن الخير مازال يجرى فى ظل عالم بات لا يعرف إلا صراع المال والمصالح، وتجرد من كل معانى الإنسانية وباتت مشاهد القتل صوت وصورة على الهواء مباشرة، وحروب إبادة وتجويع وحصار، وامعان فى القتل للأطفال والنساء.. وسرقة وسلب موارد وثروات الدول والشعوب بل تجاوز الأمر ذلك إلى محاولات ومخططات لسرقة أوطان فى زمن البلطجة، وعالم الغاب
كل ذلك بطبيعة الحال وفى زمن التطور التكنولوجى الهائل فى وسائل الاتصال والإنترنت، والتليفون المحمول الذى نراه فى أيدى الجميع، كبارًا وأطفالاً ورجالاً ونساء له تأثير شديد ومؤلم على بناء الشخصية وطريقة التربية والأفكار والأخلاقيات، وأصبحنا نرى «عجب العجاب» وكنا منذ عقود قليلة نعتبر ذلك هو عين المستحيل لكنه حدث وبات واقعًا نعيشه.. هذا العالم المكلوم فى ضميره وإنسانيته والمتجرد من الرحمة.
فى وسط كل ذلك نجد نماذج كثيرة ضربت أروع الأمثلة فى الأمانة والشرف والشهامة والإنسانية وما أكثرها لكننا ربما لا نعطيها حقها فى أن تطل على الناس لتكون مثلاً وقدوة ونقطة ضوء وسط ظلام هذا العالم وحتى نقول إن الخير باق والأمل دائمًا موجود طالما أن الحياة مستمرة
فهذا عامل على مزلقان فى بنى سويف شاهد أحد الشباب فى حالة سرحان، ويعبر المزلقان ولا يلتفت أن القطار قادم بسرعة، كاد يفقد حياته لولا شجاعة وبطولة عامل المزلقان الذى سارع على الفور بإلقاء نفسه عليه وجذبه بعيدًا عن عجلات القطار
لم يفكر عامل المزلقان فى أى حسابات أخرى سوى انقاذ الشاب، ومن الاحتمالات أنه ربما يفقد حياته، إلا أنه لم يضع كل هذا الخوف فى حساباته بل نجح فى انقاذ الشاب قبل أن يلقى حتفه أسفل عجلات القطار رغم أنه إنسان بسيط، مكافح، شريف يكابد قسوة الحياة، لكنه تربى بشكل صحيح، اعتاد التضحية والشجاعة والمروءة،
نعم حصل على تكريم وزير النقل لكن الأهم من كل ذلك إننا نحتاج أن نعرض هذا النماذج الإيجابية بكثافة فى هذا التوقيت، نفتش فى أبعاده وتكوينه، وسلوكه الايجابي، نغوص داخل هذه النفس البشرية التى تحتوى على درر العطاء والتضحية وحب الناس..
لذلك من المهم أن نعرض هذه النموذج ونحتفى به ونجزل له التكريم الأرفع والمكافآت ولماذا لا يسمى هذا المزلقان باسمه حتى يسأل الجميع ما سر اطلاق هذا الاسم على المزلقان، ليروى الناس قصة هذا البطل وشجاعته ومروءته لتكون قدوة وطاقة ايجابية بدلاً من الاستغراق فى النماذج السلبية وغير الإنسانية والانتهازية.
النموذج الثاني، فى سيارة الاسعاف دخل المريض فى غيبوبة وكان معه حقيبة بها مليون ونصف المليون جنيه وكان
من الممكن أن يقوم المسعفان بإخفاء الحقيبة ليحصلا عليها فى النهاية دون أن يعلم أحد أو ينكرا وجودها فى سيارة
الاسعاف أو حتى أنهما شاهداها وينتهى الأمر دون مسئولية عليهما، لكنهما اختار طريق الشرف والأمانة رغم أنهما
مواطنان أو موظفان بسيطان دخلهما محدود وبطبيعة الحال يحتاجان للمال، رفضا اغراء الشيطان الذى وسوس لهما
لكن قوة الضمير والشرف والأمانة كانت أقوي..
وهذا النموذج أيضا هناك الكثير من المصريين يقومون بهذا السلوك من الشرف والأمانة وبأموال طائلة، لكن المال
الحرام بالنسبة لهم مرفوض، لا اقتراب منه لذلك أرى أن مثل هذه النماذج لابد أن تحظى بالاهتمام الإعلامى
والحقيقة انه تحقق لكن أتمنى أن يجمعهم برنامج واحد أو أن تكون هناك فقرات أو أجزاء أو صفحات تحرص على
عرض هذه النماذج إلى جانب صفحات وبرامج الجريمة.
النموذج الثالث ولا أروع ولا أعظم طفلة جميلة اسمها هايدى علمتنا درسًا فى الإنسانية والإيثار ذهبت إلى السوبر
ماركت لشراء كيس «شيبسى» رأت رجلاً بسيطًا يطلب المساعدة، عادت مرة أخرى للسوبر ماركت لتعيد ما
اشترته، لتعطى ثمنة لهذا الرجل البسيط الذى يبدو أنه يحتاج إلى المال والمساعدة فى تجسيد حقيقى ليقظة
الضمير الإنسانى لدى هذه الطفلة التى قد رفضت عرض البائع الذى تأثر بالموقف بأن تحصل عليه دون مقابل
وأصبحت مصدر فخر للإنسانية وفى براءة وسلوك نحتاج أن نحتفل بها ونكرمها ونظهرها للناس لتروى هذه القصة
الإنسانية الرائعة وهذا العطاء
والسؤال ما طبيعة هذه الأسرة التى ربت هذه الطفلة التى تستحق التحية ولماذا آثرت الرجل البسيط على نفسها،
وكيف نستفيد من تربية هذه الطفلة الجميلة فى بناء شخصية الأطفال وما سر هذا الاحساس الراقى وكيف تكون
القدرة الفائقة على العطاء وانكار الذات والإيثار والسمو الإنساني،
أتمنى أن يقوم أحد البرامج باستضافة عامل المزلقان والمسعفين والطفلة هايدى وأسرتها وأدعو العظيمة إسعاد
يونس أن تخصص حلقة من برنامجها لاستضافة هذه النماذج وعرضها على الناس وهى تجيد الغوص فى الابعاد
الإنسانية بتلقائية وطبيعية تميزت بها
وهنا أيضا أطالب بتكريم رفيع المستوى وفى إحدى المناسبات الوطنية أو الدينية أو الشبابية أو المرأة أو الطفولة بعد
تكريم واستقبال المجلس القومى للطفولة لـ«هايدي» هذه الفتاة الجميلة.. وماذا عن السيدة الفاضلة والدتها
والمدرسة التى تتعلم فيها، فما فعلته «هايدى» وراءه حالة من الثراء الإنساني، والبناء السليم للضمير اليقظ والحى
والعطاء بلا حدود
وهذه هى النماذج التى نريدها، والحقيقة أننا لابد أن نسرف فى عرض مثل هذه النماذج الايجابية والشريفة والقدوة
وليس فقط نجوم الفن والرياضة وهناك من لا يستحق أن يظهر للناس فنحن نعيش فى زمن وعهد يقدر العطاء
والتضحية والإنسانية والتفوق
لذلك علينا أن نستفيد من هذه النماذج فى إشاعة الأمل والتفاؤل والإنسانية واقترح ان نخصص برامج وصفحات لهذه
النماذج المضيئة التى تنير الحياة.
وزارة التربية والتعليم لابد أن تكرم التلميذة الجميلة هايدى فى طابور الصباح المدرسى بأول يوم فى الدراسة بحضور
وكيل الوزارة أمام جميع التلاميذ وعرض الفيديو أمام التلاميذ فهو درس إنسانى وتربوى عظيم.
تحيا مصر