عشرة أيام منذ إندلاع المواجهات بين قائد الجيش رئيس مجلس السيادة الحاكم فى السودان ” عبدالفتاح البرهان ” ونائبه محمد حمدان دقلو الشهير ” حميدتى ” قائد قوات الدعم السريع فى السودان على خلفية النزاع على السلطه ، ودول العالم تسابق الزمن لإجلاء رعاياها من السودان وصوت البنادق ودوى الرصاص يزيد من تعقيد عمليات الإجلاء ، وسط مخاوف من تدهور الأوضاع فى السودان ، ودخول البلاد فى دوامه حرب أهليه لاتذر أخضرا ولايابسا ولايعلم مداها سوى الله .
وما أشبه اليوم بالبارحة بالأمس القريب وتحديدا فى الـ 2 أغسطس/ آب 1990 إستيقظ العالم على جريمة بشعة إهتز لها ضمير الأمة العربية من المحيط إلى الخليج ، عندما أقدمت قوات المهيب الركن ” صدام حسين ” حاكم العراق على إجتياح دولة الكويت ، وتطويق كامل الأراضى الكويتية فى يومين ، وأعلنت الحكومة العراقية ضم دولة الكويت للعراق ، وإلغاء جميع السفارات الدولية في الكويت !! .
جاء قرار الرئيس العراقى صدام حسين غزو دولة الكويت على خلفية الوضع الإقتصادى المتدهور فى العراق جراء حرب الـ ثمانى سنوات مع إيران ، وبعد أن حاول النظام العراقى على مدار عام 1989 إقناع دولة الكويت التي ساعدته ماديا في الحرب أن تُسقِط عن العراق ديونه ، وفى الوقت الذى خالفت فيه الكويت رغبة صدام حسين قرار ” أوبك ” خفض إنتاج النفط من أجل رفع السعر لـ حل مشكلاته الاقتصادية ، ومن ثم إتهامه للكويت سرقة النفط العراقى من حقل الرميلة .. إلخ
إستمر إحتلال العراق لدولة لكويت 7 أشهر ، وانتهى الغزو بتشكيل USA تحالفا دوليا من 34 دولة شاركت فيه مصر وعدد من الدول العربية ، وتمكنت قوات التحالف فى عملية ” عاصفة الصحراء ” من طرد الجيش العراقي من الكويت ، وخضع بعدها العراق للحظر والعقوبات طيلة 13 عاما ، وأجبرت الأمم المتحدة العراق على دفع تعويضات كبيرة للكويت .
حاصل القول أن القوات العراقية التى غزت الكويت لم تترك أخضرا ولايابسا إلا وإمتدت له يد السلب والنهب والتخريب حتى أعمدة الإنارة والأرصفة فى الشوارع لم تسلم من السرقة والنهب ، والحقيقة أن الإنتهاكات التى إرتكبتها القوات العراقية أثناء غزوها للكويت تعتبر جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقا للقوانين الدولية ، هذا بخلاف البنوك والمتاجر والشركات والمتاحف التى أفرغت من محتوياتها ونقلت إلى بغداد ، وأصيبت الحياة فى دولة الكويت بالشلل التام .
إنتشرت القوات العراقية وتوغلت فى الكويت ، وأوغرت فى هتك العرض وجرائم الإغتصاب التى عزاها البعض أنها جاءت إنتقاما من الشعب الكويتى الذى إستغل وجود العراقيين على الجبهة وعاثوا فسادا فى البلاد ، وكأنما كان هناك ثأرا مبيتا أو دينا أرادوا سداده ، مع الساعات الأولى للغزو إستشهد الشيخ فهد الأحمد الجابر الصباح وهو يحمل السلاح لأنه رفض مغادرة قضره ، وفر من فر من أبناء الكويت خارج البلاد ، وتشكلت فى مدينة الطائف السعودية ” الحكومة الكويتية في المنفى ” حيث يتواجد الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير البلاد وولي العهد الشيخ سعد العبد الله الصباح ، والعديد من الوزراء وأفراد القوات المسلحة الكويتية . وتكونت فى الداخل اللجان الشعبية التى كان لها دور كبير فى صياغة ودعم الرأي المناصر للحق الكويتي ، ونظم الشعب الكويتي صفوفه ” محلياً وعربياً ودولياً ” .
توغلت القوات العراقية وإنتشرت فى كافة أرجاء الكويت وساد الهرج والمرج وتقطعت كل وسائل الاتصال وإنعزلت الكويت عن العالم ، وبدأ الفرار الجماعى منها ، يقول أخى الذى رحل عن عالمنا مؤخرا وكان فى الكويت وقت الغزو ، وكان يعمل فى هندسة المنشآت العسكرية بوزارة الدفاع فى الكويت ومقرها ” السالمية ” على الخليج يقول سمعنا أن قوات العراق غزت الكويت ، واعتقدنا أنها عبرت الحدود ، ولكننا فوجئنا ونحن فى طريقنا إلى مقر عملنا بالوزارة فى الصباح أنها محاصرة بالدبابات العراقية ، دبابة فوهتها ناحيتنا تجاورها أخرى فوهتها للخليج ، يقول أخى : غادرنا المكان بعد أن نزعنا الـ ID الخاص بعملنا خشية إعتقالنا من قبل قوات الغزو بوصفنا خبراء ، نعمل فى الوزارة ، وعلمنا فيما بعد أنهم إعتقلوا زملاءنا من الفترة المسائية وإتخذوهم دروعا بشرية فيما بعد .
وعن الأحوال فى الكويت يقول : تدهورت الأمور بصورة دراماتيكية وسريعة وكانت الأمور تسير من سىء إلى أسوأ ، وقد أسخنت القوات العراقية فى القتل والتشفى من كل من يعترض طريقها ، وكان الموت يحيط بنا من كل جانب ، وكان كل هدفنا هو الحذر والحفاظ على حياتنا أطول فترة ممكنة ، فأنت عندما ترى الموت أمام عينيك ويحيط بك من كل جانب وتجد نفسك من السهل أن تفقد حياتك فى لحظة بسبب تصرف أرعن من جندى عراقى متهور لايحسن إستخدام السلاح فى يده ، لهو أمر صعب جدا ، فالموت عندما يأتى بغتة يكون أهون من إنتظاره !!
ويضيف : جلسنا فى بدروم البناية التى نقيم فيها تجنبا للرصاص الذى لايفرق بين أحد ويخترق النوافذ فى الأدوار
العليا فى إنتظار مصير مجهول خاصة بعد أن تواترت أخبار أن الأسرة الحاكمة تمكنت من الخروج حارج الكويت ، وأن
أغلب أبناء الكويت كانوا فى هذا التوقيت خارج البلاد كعادتهم ، لم يكن لنا من هم سوى العودة إلى بلادنا سالمين
تاركين وراء ظهورنا تعب السنين فى الغربة ، الجالية المصرية كانت من أكبر الجاليات الموجودة فى الكويت ، وهناك
منهم من لاذ بالفرار خارج الكويت مع بداية الأزمة عبر الحدود مع السعودية ، ولكن عندما أحكمت قوات الغزو قبضتها ،
ومع وعورة الطرق ظهرت مشكلة أنه لم نعد نعرف مصير هؤلاء ، هل تمكنوا من الهرب وعبور الحدود أم تم القبض
عليهم ؟ وماهو مصيرهم ؟
زاد الأمور تعقيدا إصدار صدام حسين قرارا بإعدام من يضبط يقود سيارة لايملك سندا لـ ملكيتها ، وبعد مرور أكثر من
شهر سمح للجاليات الأجنبية بمغادرة الكويت عن طريق بغداد ، وهنا إزدادت الأمور تعقيدا خشية القبض علينا على
خلفية عملنا ، ولموقف مصر من الغزو . فى هذا التوقيت كانت أمى ” رحمها الله ” تموت فى اليوم ألف مرة حزنا على
فلذة كبدها الذى لايعرف له حياة من ممات ، خاصة وأن كثيرا ممن لاذوا بالفرار وتمكنوا من الهرب حكوا لنا عن
الأهوال التى صادفتهم فى طريق العودة ، يحضرنى موقف لـ محمد الإبن الأكبر لـ أخى الذى توفاه الله شابا فى
الثلاثينات من عمره وهو ممسكا بالاطلس العربى وكان إبن التاسعة وهو يبحث عن الكويت على الخريطه لـ يعرف
أخبار والده !!
عقدنا العزم ورجعنا عبر الأراضى العراقية وتفاوت إستقبالنا فى المدن العراقية بين الترحاب والمعاملة القاسية خاصة
فى محطات التموين بالوقود ، حتى أنه إستمال أحد الجنود العراقيين بقلم كان يحمله ، وهكذا حتى وصلنا إلى الأردن
، يقول كدت أن أموت دهسا عندما غلبنى النعاس ونمت فى العراء لـ أستيقظ وأجد السيارات قد مرقت بجوار رأسى ،
كانت الحشود داخل الأراضى الأردنية تفوق إمكانيات البلد حيث تم تفريقنا بخراطيم المياه ، وكانوا يلقوا علينا الخبز ،
وبعد معاناه إستمرت 24 ساعة ، تضافرت الجهود الدولية لـ نقل الفارين من غزو العراق للكويت ، وعلى خطوط “
لوفتهانزا ” الألمانيه وصلت إلى مطار القاهره بثياب رثه ذكرتنى بالأفرول الذى عدت به من على الجبهه بعد أن
إستهدفت محطه الردار B12 التى كنا فيها فى بير مرير ، وتم الدفع بنا كسد خسائر .. وللحديث بقيه !!