جيهان عبد الرحمن تكتب : مصيدة 73

جيهان عبد الرحمن
جيهان عبد الرحمن
وصلت هتافات جماهير الأهلي والزمالك ضد الكيان المحتل بسرعة البرق، وكانت الرسالة أوضح من أن تحتاج إلى تفسير. حتى صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية التقطت دلالتها، تحت عنوان يشير إلى توحد جماهير قطبي الكرة المصرية ضد إسرائيل في ديربي القاهرة، إحياءً لذكرى حرب أكتوبر.
هكذا، قد تتحول مدرجات الكرة، التي تبدو أحيانًا ساحة للتنافس والانقسام، إلى مساحة تستعيد فيها الذاكرة الوطنية وحدتها. فالشعوب لا تنسى بسهولة، وقد تتباين مواقفها وتختلف اهتماماتها، لكن لحظات بعينها تعيد جمعها حول معنى يتجاوز تفاصيل الحياة اليومية؛ معنى الوطن حين يصبح حاضرًا في الوجدان، سواء في ميدان المعركة، حين تتجه البنادق إلى العدو، أو في هتاف جماهيري تختلط فيه الذاكرة بالغضب والرفض.
وفي إسرائيل، يبدو شهر أكتوبر أبعد من مجرد صفحة في التقويم. إنه جرح تتجاور فيه ذكريات حرب 1973 وتداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023، بما حمله الحدثان من أسئلة عن الأمن والردع وصورة الدولة أمام نفسها والعالم.
زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد، شأنه شأن أصوات أخرى في المشهد السياسي والإعلامي الإسرائيلي، تحدث عن اتساع عزلة إسرائيل الدولية، محملًا حكومة بنيامين نتنياهو وسياساتها مسؤولية جانب من هذا المسار. وبينما تظل تقديرات مستقبل الدولة ومآلات الصراع موضع خلاف، فإن اتساع الانتقادات الدولية للحرب والسياسات الإسرائيلية بات ملفًا لا يمكن تجاهله.
وتتجاوز المسألة حدود التصريحات السياسية إلى مواقف دولية وإجراءات اتخذتها دول ضد إسرائيل، سواء تعلق الأمر
بتقييد التعاون أو مراجعة العلاقات أو اتخاذ تدابير ذات طابع قانوني واقتصادي. وتستحق المواقف الإسبانية، التي
اتسمت بانتقادات واضحة للسياسات الإسرائيلية، أن تُقرأ في سياق التحولات التي تشهدها العلاقات الدولية، لا
باعتبارها مجرد موقف عابر.
لكن العزلة التي يتحدث عنها الإسرائيليون اليوم ليست فكرة طارئة على ذاكرتهم السياسية. ففي كتاب «التقصير»، الذي
تناول إخفاقات إسرائيل قبيل حرب أكتوبر، اختار المؤلفون للفصل الأخير عنوان «مصيدة 73»، لتطل من بين سطوره
عبارة شديدة الدلالة: «العالم كله ضدنا».
هنا تكمن المفارقة؛ فالجملة التي عبّرت عن شعور بالحصار في أعقاب حرب غيّرت موازين المنطقة، تعود اليوم في سياق
مختلف، بينما تواجه إسرائيل انتقادات وضغوطًا دولية على خلفية سياساتها وحربها في غزة.
ليست المسألة أن التاريخ يعيد نفسه بحذافيره، ولا أن عزلة اليوم تعني بالضرورة نهاية وشيكة لدولة، فالتاريخ أكثر
تعقيدًا من الشعارات والتوقعات. لكن الذاكرة تذكّرنا بأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تمنح أصحابها حصانة دائمة
من الحساب، وأن الانتصار في معركة لا يُقاس فقط بما يحدث على الأرض، بل أيضًا بما يتركه من أثر في الوعي، وفي
صورة الدولة، وفي علاقتها بالعالم.
في أكتوبر، لا تستعيد مصر ذكرى انتصار عسكري فحسب؛ إنها تستعيد لحظة أثبتت فيها أن ما يبدو مستحيلًا قد يصبح
واقعًا حين تتوافر الإرادة والاستعداد. أما «مصيدة 73»، فربما تكمن دلالتها الأعمق في أن من يظن أن القوة وحدها
تصنع المستقبل قد يجد نفسه، بعد سنوات، أسيرًا للأسئلة ذاتها التي اعتقد يومًا أنه تجاوزها.
وبين هتاف المدرجات وعبارة «العالم كله ضدنا»، مسافة تختصرها ذاكرة أكتوبر: قد تنتهي المعارك، لكن نتائجها تظل
مفتوحة، وقد تصمت المدافع، بينما تستمر الأسئلة في مطاردة من ظن أن التاريخ أصبح ملكًا له.

Pin It on Pinterest