أثارت نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي اهتماما واسعا في مصر خاصة بعد فوز مرشحين من أصول مصرية بمقعدين في مجلسي النواب والشيوخ، هما الرحمن السيد (عبدول) بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، وآدم حموي بمقعد مجلس النواب عن ولاية نيوجيرسي، وزاد الاهتمام بفوزهما كونهما مسلمين وينحدران من أسرتين مصريتين.
ولا شك أن شعور المصريين بالفخر والاعتزاز بوصول شخصيات من أصول مصرية إلى مواقع سياسية مؤثرة في الولايات المتحدة أمر مفهوم، لكن ما يستحق التوقف أمامه هو المبالغة في التعويل على هذا الفوز وكأن مصر أصبحت تمتلك صوتين داخل الكونجرس الأمريكي أو أن قضايا المنطقة باتت أقرب إلى الحل لمجرد وصول شخصين يحملان أصولا مصرية إلى المؤسسة التشريعية الأمريكية!
هنا تحديدا ينبغي أن نقرأ الصورة بعيدا عن العاطفة وأن نفرق بين الاعتزاز بالأصل والانتماء العائلي من ناحية وبين الانتماء السياسي والمصالح التي تحكم مواقف الأفراد والدول من ناحية أخرى.
فالمرشح الذي يخوض الانتخابات الأمريكية لا يتقدم باعتباره ممثلا لوطن آبائه وأجداده وإنما باعتباره مواطنا أمريكيا يسعى إلى الحصول على ثقة الناخب الأمريكي ويطرح برنامجا سياسيا يتناسب مع أولويات دائرته الانتخابية وتوجهات الحزب الذي ينتمي إليه.
وعندما يفوز ويصل إلى الكونجرس فإنه يمارس دوره في إطار الدستور الأمريكي ومؤسسات الدولة التي يحمل جنسيتها ويخضع في النهاية لحسابات السياسة الأمريكية ومصالحها.
لذلك لا ينبغي أن نخلط بين مشاعر المرشح تجاه بلد أصول أسرته وبين طبيعة دوره السياسي ومسؤولياته تجاه الدولة التي يمثلها.
فقد يعتز بجذوره المصرية ويتحدث العربية ويحتفظ بعلاقات وثيقة مع المجتمع الذي تنتمي إليه أسرته وقد يتبنى مواقف إيجابية تجاه بعض القضايا المصرية والعربية لكن ذلك لا يجعله ممثلا لمصر داخل الكونجرس.
بل إن تصريحات المرشحين خلال الحملات الانتخابية كثيرا ما تتأثر بحسابات المنافسة وطبيعة الناخبين الذين يخاطبونهم.
فالمرشح يسعى إلى كسب أصوات شرائح مختلفة وقد تتباين رسائله بحسب توجهات كل شريحة، لكن المعيار الحقيقي للحكم على مواقفه يظل ما يقدمه من سياسات ومواقف عملية بعد توليه المسؤولية وليس مجرد تصريح انتخابي أو انتماء عائلي أو ديني.
والأمر لا يتوقف عند المرشحين من أصول مصرية وإنما يمتد إلى أهمية فهم طبيعة السياسة الأمريكية ذاتها، فالبعض يتعامل مع فوز الديمقراطيين أو الجمهوريين باعتباره تحولا جذريا في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة بينما تكشف التجربة أن التنافس بين الحزبين رغم اختلافهما في كثير من الملفات والأدوات لا يلغي وجود مصالح استراتيجية أمريكية راسخة تتجاوز معارك التنافس الحزبي وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل والدعم الذي تحظى به داخل المؤسسات الأمريكية.
قد تختلف الإدارات وتختلف تشكيلة الكونجرس في طريقة إدارة الملفات وقد تظهر أصوات داخل الحزبين تنتقد بعض السياسات الأمريكية أو تطالب بمراجعتها.. لكن لا ينبغي أن نتصور أن مجرد تغيير الأغلبية داخل الكونجرس يعني بالضرورة تغيرا في توجهات الدولة الأمريكية ومصالحها الاستراتيجية.
ولا يعني ذلك أن وجود نواب من أصول عربية أو مصرية لا يمكن أن يحدث فارقا أو أن مواقفهم لا تستحق المتابعة والاهتمام
فمن الممكن أن يسهموا في طرح قضايا المنطقة أو تصحيح بعض الصور المغلوطة أو الاعتراض على سياسات لا تتفق مع رؤيتهم وقناعاتهم، لكن الفارق كبير بين أن يكون للنائب موقف مؤثر في قضية ما وبين أن نتصور أنه يمتلك القدرة على تغيير سياسة دولة كاملة.
وهنا نصل إلى المفارقة الأهم: لماذا نبحث دائما عن صوت لنا في مؤسسات دول أخرى لمجرد أن بعض أعضائها يحملون أصولا مصرية أو عربية أو يشاركوننا الدين؟ وهل أصبح تشابه الأسماء والأنساب كافيا لكي نطمئن إلى مواقف سياسية لم تتضح بعد؟ وهل يكفي الانتماء إلى العقيدة نفسها لكي تتطابق المصالح والاختيارات؟
إن رابطة الدين لا تلغي اختلاف المصالح، والأصل العائلي لا يحدد بالضرورة الموقف السياسي، والتاريخ المشترك لا يعني تطابق الرؤى واتفاق المصالح.. فالدول لا تدير علاقاتها وفقا لمشاعر الأفراد أو أصولهم وإنما وفقا لحسابات المصالح وموازين القوة والتحالفات.
ومن حق المصريين أن يفرحوا بنجاح أبناء أسر مصرية في الوصول إلى مواقع مؤثرة داخل المجتمع الأمريكي وأن يتابعوا مواقفهم باهتمام.. لكن ليس من حق هذا الفرح أن يتحول إلى أوهام سياسية أو رهانات لا تستند إلى واقع.
فعبدول السيد وآدم حموي أمريكيان من أصول مصرية وهذه حقيقة لا تنتقص من أصلهما المصري وجذورهما العائلية، ولا من انتمائهما الوطني الأمريكي، لكنها تضع حدودا واضحة لما يمكن أن نتوقعه منهما.
والأولى بنا ألا نعلق آمالنا على نائب هنا أو عضو مجلس شيوخ هناك، وإنما أن نبني قوتنا ونمتلك أدوات تأثيرنا وأن ندرك أن احترام الآخرين لمصالحنا يرتبط بما نملكه من قدرة على حمايتها والدفاع عنها، وليس بعدد من يحملون أصولنا داخل برلمانات العالم .
لا تبحثوا عن مصر في الكونجرس الأمريكي ولا تنتظروا أن يحمل الآخرون قضاياكم لمجرد أنهم يتشاركون معكم الأصل أو الدين.
فالأوطان لا يحمي مصالحها تشابه الأسماء والأنساب، وإنما تحميها قوتها وقدرتها على التأثير.
في السياسة.. المصالح هي الحاكمة، وليس الأصل أو الدين.