الكاتب الصحفي عصام عمران يكتب: الرهان الخاسر  !!

الكاتب الصحفي عصام عمران
الكاتب الصحفي عصام عمران

الأنهار كائن حي له نبض فيض وغيض خلال حياتها. ضبط هذا النبض شيء عرفه الإنسان من قديم، ومارسه بصور شتي، بعضها سلبي يسكن بعيدا عن جموح الفيض، وقليلها إيجابي بإقامة جسور وسدود كنوع من الجراحة لمصلحة الإنسان، لكنها ضارة بحياة النهر.

وأخيرا، تنبهنا لحقيقة أن المحافظة علي صحة النهر أهم من مكاسب استزراع أرض أو توليد طاقة، هي في وجهة نظر يجب أن تكون نهاية لعصر السدود الكبيرة، حتي برغم الحاجة، لأن تكبيل الأنهار في النهاية يتضمن أبعاد تغيير غير مُدركة بكفاية.

تمثل حقول البترول، والمياه النهرية العذبة طرفي نقيض ، فالبترول محدود المكان والزمان بينما المياه العذبة مورد منتشر علي بقاع كثيرة لا يشكل توترا سياسيا باستثناء حالتين، أولاهما أن يجري النهر في أكثر من دولة، فتصبح أنصبة المياه وحرية الملاحة مثار جدل بين دول المنابع ودول المصب. ثانيتهما في أقاليم الندرة، خاصة بلاد المناطق الجافة التي شابتها من القدم مجالات للصراع أدت إلي غزوات كثيرة للسيطرة علي بلاد المياه الوفيرة في الشرق الأوسط، وهي ما قد تؤدي إلي “حروب مياه”، إذا لم تنجح المفاوضات.

يعد حوض النيل خير مثال للحالتين معا بين دول المنابع ومصر خاصة، كدولة المصب في وسط بيئة صحراوية جافة منذ آلاف السنين ، وكذلك يعد نهر الفرات بصورة ما مماثلا للنيل، حيث المنابع في جبال تركيا، والعراق دولة مصب، وسوريا دولة ترانزيت مماثلة لدور السودان بين إثيوبيا ومصر. وبرغم ذلك، فقد كانت قراءة الناس الفاعلة للنهر، والمناخ، والتربة الفيضية هي أسس تكوين المهاد الأولي للحضارات العليا القديمة علي ضفاف نيل مصر، وفرات العراق، فاكتسبت حق المستخدم الأول خمسة آلاف سنة، لكنها أصبحت الآن بؤرة مشكلات المياه بحكم تغير الخريطة السياسية، واستقلال دول الأحواض النهرية، واحتياجات سكانها واقتصاداتها، إلي نمط جديد في استخدام مياه الأنهار قد يناقض الحقوق التاريخية لمياه دول المصب.

منذ تسعينيات القرن الماضي ، اتسمت علاقات مصر ودول منابع النيل بتصاعد مخططات سياسية، تتخذ مطالب اقتصادية، بعضها  سيكولوجية تصفية خلفيات تاريخية غير ودية في علاقات ماضية، إلي جانب تحالفات خلفية تصعِّب اتخاذ مبادآت عملية تربك حلا سلميا بين أطراف النزاع ،  فاستخدام  إثيوبيا سياسة الأمر الواقع يهدف في الحقيقة إلي جر المشاكل إلي مائدة مفاوضات مطولة للحصول علي أقصي ما يمكن من الفوائد لمصلحة إثيوبيا مع محاولة تغيير موقف السودان إلي موقف الوسيط الأكثر قربا إلي  إثيوبيا، مقابل الحصول علي فوائد  مائية، وربما هو ما حدث ثنائيا ، الأمر الذى ترفضه القاهرة جملة وتفصيلا !! .

يأتي ذلك فى الوقت الذى جدد فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي التأكيد على رفض مصر سياسة «الأمر الواقع» ، محددا شروطاً للتعاون مع إثيوبيا، و مؤكداً أن التعويل على تفريط مصر في أمنها المائي «رهان خاسر».

الرئيس كشف فى كلمة مسجلة خلال افتتاح «أسبوع القاهرة التاسع للمياه» الأحد الماضي ، أن مصر «اختارت طريق التعاون والحوار، اختياراً واعياً، يستند إلى الثقة في عدالة قضيتها وقانونية موقفها (في إشارة إلى سد النهضة)، وتوقن بأن حماية مصالح شعبها مسؤولية لن تتهاون في الوفاء بها».

وتابع: «أقول بوضوح إن أي رهان على قبول مصر بفرض الأمر الواقع أو التفريط في أمنها المائي… هو رهان خاسر».

ووفقا لبيان المتحدث باسم الرئاسة السفير محمد الشناوي، فقد أكد الرئيس السيسي أن يد مصر ستظل ممدودة لأشقائها لتعاون يقوم على قواعد القانون الدولي والتشاور والتنسيق، وحسن الجوار وعدم الإضرار، فنحن أسرة واحدة يجمعها النيل، ومصالحنا المشتركة أكبر من خلافاتنا، وحوضنا يمتلك موارد وإمكانات واسعة، يمكن بحسن إدارتها وتنميتها، أن تلبى احتياجات شعوبنا وتطلعاتها» ، وهو ما ينطبق تماما مع الشعار الذى اتخذه  «أسبوع القاهرة التاسع للمياه» عنوانا رئيسيا له وهو «المياه حافزاً للسلام والازدهار المشترك وكوكب مستدام» !! .

ومن هذاالمنطلق فإن مصر تحترم حق جميع دول حوض النيل في التنمية وتدعمه، وبالفعل ترجمت هذا الموقف عملياً من خلال التعاون مع أشقائنا بشأن المشروعات المطروحة، ضمن برامج الاستثمار بدول حوض النيل الجنوبي، في مجالات الطاقة والزراعة والري».

و هذه التجربة أثبتت أن «الإخطار المسبق وتبادل الدراسات والتشاور، أدوات عملية، تدعم المضي قدماً في حشد التمويل للمشروعات، وتبنى الثقة، وتحفظ مصالح الجميع»، وليست «وسيلة لتعطيل التنمية، أو فرض الوصاية على أي دولة، وهي تجربة تؤكد أن التعاون الحقيقي ممكن… متى توفرت الإرادة».

ختاما نؤكد أن كلمة الرئيس السيسي تحمل «رسائل سياسية هامة»، لعل فى مقدمتها تمسك مصر بالمسار الدبلوماسي وفق شروط، وأنها تدعم حق دول حوض النيل في التنمية، وأن القاهرة لن تتهاون في حقوقها المائية ، والكرة الآن فى معلب الطرف الآخر ونتمنى أن يفهم الرسالة ويعيها جيدا  .

Pin It on Pinterest